هبة بريس
أعاد الخبير في صحافة البيانات يوسف سعود فتح النقاش حول سمعة المغرب داخلياً وخارجياً، مستنداً إلى المؤشر السنوي الذي ينجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية بشراكة مع مؤسسة Reputation Lab المتخصصة في قياس السمعة و«العلامة الوطنية» للدول.
ويتابع سعود هذا المؤشر، بحسب ما أوضح في تدوينة على صفحته بـ”فيسبوك”، بشكل منتظم منذ إطلاقه سنة 2015، مشيراً إلى أن المنهجية المعتمدة في قياس سمعة المغرب تطورت على امتداد السنوات، كما توسعت قاعدة المؤشرات والمقاييس المعتمدة في تقييم صورة المملكة داخلياً وخارجياً. ويؤكد تقرير سابق للمعهد أن المرصد الخاص بصورة المغرب في الخارج انطلق سنة 2015، فيما أدخلت النسخ اللاحقة مؤشرات إضافية ووسعت نطاق الدول المشمولة بالاستطلاع.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها لا تكتفي بقياس الانطباع العام عن المغرب، وإنما تحاول تفكيك عناصر القوة والضعف في صورته، داخلياً وخارجياً، بما يسمح بتحديد المجالات التي يمكن أن تعزز جاذبية المملكة وقدرتها على بناء صورة أكثر قوة على المستوى الدولي.
وفي أحدث نسخة من دراسة RepCore® Nations Morocco 2025، حافظ المغرب على موقعه ضمن أفضل 30 دولة من حيث السمعة الدولية وفق نظرة مواطني دول مجموعة السبع وروسيا، كما واصل تصدره قارياً وعربياً من حيث السمعة الدولية. وقد شملت نسخة 2025 تقييمات في 29 دولة، مع إضافة محور خاص بتأثير تنظيم كأس العالم 2030 على صورة المغرب وجاذبيته الدولية.
التنمية حين تتحول إلى صورة
ويرى يوسف سعود أن الحديث عن سمعة المغرب لا ينبغي أن يبقى محصوراً في ترتيب رقمي، بل يجب ربطه بما يراه المواطن فعلياً في حياته اليومية. ويقدم في هذا السياق أمثلة على التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية، من بينها تطور صناعة السيارات وبناء سلاسل إمداد صناعية متقدمة، إلى جانب توسع البنيات التحتية وشبكات النقل.
ويشير إلى أن المغرب أصبح يمتلك قاعدة صناعية للسيارات قادرة على الوصول إلى إنتاج يتجاوز مليون سيارة، وهو ما يعكس، في نظره، تحولاً من اقتصاد يستقبل الاستثمارات فقط إلى اقتصاد يطور سلاسل صناعية متكاملة وذات قيمة مضافة.
ويضع سعود هذا التطور في سياق المقارنة مع دول إفريقية أخرى، معتبراً أن المغرب يمتلك اليوم مؤهلات صناعية ولوجستية وبنيات تحتية تسمح له بالمنافسة على مستوى القارة، وأن الصورة التي يجب أن تترسخ لدى المغاربة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن هذه التحولات.
ويقدم مثالاً آخر يتعلق بالنقل الحضري في الدار البيضاء، حيث يلفت إلى توسع شبكة الترام والحافلات ذات الخدمة عالية الجودة، وربطها بباقي منظومة النقل، باعتبار ذلك جزءاً من التحول الحضري الذي تشهده المملكة.
«نظرة من واشنطن» إلى المغرب
ويستند سعود كذلك إلى تجربته المهنية في واشنطن، حيث يقول إن عمله أتاح له الاحتكاك بمسؤولين وخبراء وأكاديميين في مؤسسات دولية، من بينهم أشخاص يعملون في مؤسسات مثل البنك الدولي وFreedom House وغيرها.
ويقول إن نحو 80 في المائة ممن التقاهم يحملون، وفق انطباعه، صورة إيجابية عن المغرب، وينظرون إليه باعتباره نموذجاً داخل القارة الإفريقية، خصوصاً فيما يتعلق بالبنيات التحتية.
ويشدد في الوقت نفسه على ضرورة فهم هذه النظرة في سياقها الصحيح، إذ لا يتعلق الأمر بوضع المغرب في مقارنة مع دول مجموعة السبع أو الاقتصادات الكبرى، وإنما بمقارنته بدول القارة التي تشترك معه في مجموعة من التحديات والرهانات التنموية.
وهذه الصورة الخارجية تجد سنداً في نتائج الدراسات المتخصصة؛ إذ أكدت نتائج RepCore® Nations” 2025″ استمرار المغرب في صدارة الدول الإفريقية والعربية من حيث السمعة لدى مواطني دول مجموعة السبع وروسيا.
من «سمعة الدولة» إلى «علامة المغرب»
لكن سعود يرى أن قوة الصورة الحالية لا تعني أن المغرب بلغ نقطة النهاية، بل على العكس، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد تحسين السمعة إلى بناء Nation Branding متكامل، أي تحويل المغرب إلى «علامة وطنية» لها قصة واضحة وقابلة للتسويق خارجياً.
ويقول إن المغرب بحاجة إلى الاشتغال على هذه العلامة في اتجاهين متلازمين: داخلياً وخارجياً.
داخلياً، يرى أن التحدي الأساسي يتمثل في جعل المواطن يلمس أثر التنمية في مستوى معيشته وجودة حياته اليومية. فالمشاريع الكبرى والبنيات التحتية والاستثمارات لا تكفي وحدها لصناعة سمعة داخلية قوية إذا لم تتحول إلى خدمات وفرص وجودة عيش يشعر بها المواطن بشكل مباشر.
وتظهر أهمية هذا الجانب في نتائج دراسة 2024، التي سجلت ارتفاع السمعة الداخلية للمغرب إلى 64.8 نقطة من أصل 100، بزيادة 3.7 نقاط عن السنة السابقة، وهي أعلى نتيجة يسجلها المؤشر للسمعة الداخلية منذ بداية رصده سنة 2015.
ومن هنا يطرح سعود فكرة أن التنمية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن الإحساس اليومي للمواطن بنتائجها، معتبراً أن رفع مستوى السمعة الداخلية إلى مستويات أعلى، مثل الانتقال من 55 إلى 90 نقطة في التصور الذي يطرحه، لا يتحقق بالحملات الإعلامية، وإنما بتحسين التجربة اليومية للمغاربة.
المغرب بحاجة إلى «قصة نجاح» قابلة للتصدير
أما خارجياً، فيرى سعود أن المطلوب هو أن يمتلك المغرب قصة نجاح واضحة يستطيع تقديمها للعالم، وليس مجرد مجموعة متفرقة من المشاريع والإنجازات.
ويشير في هذا السياق إلى أن المملكة تمتلك مؤهلات تسمح لها، برأيه، بأن تصبح بمثابة «إيرلندا إفريقيا»، خصوصاً في بعض صناعات الجيل الجديد المرتبطة بالتحولات التكنولوجية والصناعية.
ويعتبر أن الفرصة تكمن في أن بعض صناعات الثورة الصناعية الخامسة لا تتطلب بالضرورة عقوداً طويلة للحاق بالدول المتقدمة، إذ يمكن للدول التي تمتلك بنية تحتية ملائمة ورأسمالاً بشرياً وقدرة على جذب الاستثمار أن تقفز بسرعة إلى قطاعات جديدة.
وهنا، بحسب سعود، لا يتعلق الأمر فقط بزيادة الناتج الصناعي أو جذب الشركات، وإنما بتحويل هذه الدينامية إلى قيمة رمزية تساهم في تغيير الطريقة التي يُنظر بها إلى المغرب.
حين تتقدم الأرقام أسرع من الصورة
ويحذر الخبير في صحافة البيانات من أن التطور المادي للمغرب لا يؤدي آلياً إلى تغيير الصورة لدى جميع الجيران أو الخصوم.
ويشير، في هذا السياق، إلى أن الصورة التي يحملها البعض عن المغرب قد تبقى أسيرة سرديات سياسية قديمة، حتى في ظل تغير الواقع على الأرض. ويستشهد بالموقف السائد لدى قطاعات من الرأي العام الجزائري، حيث يرى أن التطور المغربي لا ينعكس بالضرورة على الصورة المتداولة عن المملكة لدى جزء من الجزائريين.
ويخلص سعود إلى أن المعركة الحقيقية ليست فقط في إنجاز المشاريع، وإنما في تحويل الإنجاز إلى إدراك، والإدراك إلى سمعة، والسمعة إلى علامة وطنية قوية.
ويستحضر في هذا السياق ذكرى شخصية تعود إلى نحو 14 عاماً، حين كان يرى أن العاصمة الرواندية كيغالي تبدو في بعض جوانبها أفضل من الرباط. أما اليوم، فيرى أن المقارنة نفسها تعكس حجم التحول الذي عرفه المغرب خلال السنوات الماضية.
وبالنسبة إليه، فإن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في مواصلة بناء الطرق والمصانع وشبكات النقل، وإنما في جعل المواطن المغربي أول من يشعر بأن هذه التحولات غيرت حياته، وفي الوقت نفسه جعل العالم يرى في المغرب قصة نجاح إفريقية قابلة للتصدير والاستثمار والتكرار.
وتؤكد الاتجاهات التي ترصدها دراسات السمعة الدولية أن هذا الرهان أصبح اقتصادياً بقدر ما هو اتصالي؛ فنسخة 2026 من “RepCore® Nations” ربطت بصورة مباشرة بين سمعة الدول والثقة في منتجاتها وخدماتها واستعداد المستهلكين لدفع سعر أعلى مقابلها، فيما احتل المغرب المرتبة 27 عالمياً في التصنيف العام لسنة 2026، متقدماً بثلاث مراتب عن العام السابق، مع استمرار تصدره قارياً وعربياً.
المصدر:
هبة بريس