في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
“أليس كذلك؟ بل هو كذلك”.. عبارة كان يرددها الشيخ محمد العلوي وهو يوزع نظراته على المستمعين، ليرى أثر كلامه في وجوههم.. يفتح هذا الشيخ، الذي توفي أمس عن عمر يناهز 82 سنة، قلوب مستمعيه بالنادرة والطرفة والنكتة والموقف المضحك، قبل أن يمرر إليهم رسائله ونصائحه بأسلوب مرح يشد الانتباه.
استطاع الشيخ “با العلوي” أن يجترح أسلوبا خاصا به يميزه عن باقي الشيوخ والوعاظ؛ إذ كان يزاوج بين الجد والمرح، ويستعين بالمفارقات الصارخة والمقارنات وإبراز التناقضات، وتهويل العيوب وتهوين الصعاب، للتنفير من أمر محرم في الإسلام أو الترغيب في أمر واجب، صانعا لحظة مضحكة تتحول بعدها إلى مدخل للوعظ والتذكير.
هذا الأسلوب جعل هذا الشيخ يقلص المسافة بينه وبين من يستمع إليه، دون أن يفقد وقاره.. تجده في الحفلات والولائم والتجمعات، يتحدث بشكل مرتجل مستعملا كل طاقته وملامحه.. تارة يجلس وتارة يقف، ويحرك يديه ورأسه متفاعلا مع ما يقول، قبل أن يردد عبارته الشهيرة “.. يا جدع… بخ بخ”.
يستعيد يوسف قيبو، أحد تلامذة الشيخ “با العلوي”، بكثير من التأثر، بعضا من ملامح شخصيته وأسلوبه في الدعوة، ويصفه بأنه كان “صدره وعاء لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم”، قائلا إن الشيخ، حين كان يحدثهم عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كان المستمع يشعر وكأنه يتصفح كتب السيرة والتراجم، لما كان يحمله من معرفة بها واستحضار لتفاصيلها.
ويصف قيبو، في تصريح لجريدة “العمق”، الشيخ “با العلوي” بأنه كان رجلا طيبا، مشيرا إلى أنه كرس حياته للدعوة إلى الله، وأنه كان نموذجا للدعاة المعتدلين الذين يحبون الخير للبلاد والعباد.
هذا الأسلوب المرح الذي كان يميز مواعظ الشيخ، المؤثث بالمستملحات والنوادر والأمثلة الشعبية، يصفه يوسف قيبو بأنه أسلوب خاص وطريقة فريدة تميزه، مؤكدا أن الشيخ لم يكن يتصنعها، وإنما كانت تأتي منه تلقائيا وبكل عفوية.
يحكي الشيخ “با العلوي”، في حوار سابق مع جريدة “العمق”، أنه تلقى تعليمه في مدرسة “باب الحديد” بمدينة فاس، مستحضرا جدية معلميه وحرصهم على تكوين طلبتهم تكوينا متينا “كأنهم يدرسون أبناءهم”، ومبرزا فضلهم عليه.
“اللي ما جال ما عرف بحق الرجال” مثل شعبي استعان به الشيخ خلال حديثه عن تجربته بأوروبا، موضحا أنه عاش سنوات في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا، قبل أن يقرر العودة إلى حضن وطنه الأم المغرب، قائلا: “بلادي وإن جارت علي عزيزة”.
العودة من أوروبا إلى المغرب، بحسب الشيخ “با العلوي”، جاءت بسبب حبه وتعلقه بوطنه، مشبها علاقته بالمملكة المغربية، بتلك العلاقة التي كانت تربط الرسول صلى الله عليه وسلم بمدينة مكة، مستحضرا قوله: “والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت”.
كانت الابتسامة حاضرة في حديثه، وهي ابتسامة رضا نتيجة القناعة التي يملأ بها قلبه، حيث عبر عن ذلك بقوله: “قانع الحمد لله.. من أراد مؤنسا فالله يكفيه، ومن أراد حجة فالقرآن يكفيه، ومن أراد غنى فالقناعة تكفيه، ومن أراد واعظا فالموت يكفيه، ومن لم يكفه شيء من هذا فالنار تكفيه”.
واستشهد بما نقل عن عبد الله بن جبير من أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم إلا متبسما، كما استحضر جواب عائشة حين سئلت عن حال النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت إنه كان رجلا مثل الناس، لكنه كان دائما متبسما. وكان يردد أن “التبسم في وجه أخيك صدقة”.
ويستعيد يوسف قيبو آخر لقاء جمعه بالشيخ، حين زاره يوم الجمعة الماضي بعد صلاة العصر، فوجده يعاني من ضيق في التنفس. وبعد منتصف الليل، قرر الطاقم الطبي نقله إلى قاعة الإنعاش، قبل أن يصل صباح الأحد خبر وفاته.
ويرى قيبو أن “با العلوي” ترك بصمته بعد أن كرس حياته للدعوة، وظل أسلوبه في الوعظ، بما يحمله من سيرة ونوادر ومستملحات وأمثلة شعبية، جزءا من صورته التي يحتفظ بها تلامذته ومن رافقوه في حياته الدعوية.
المصدر:
العمق