آخر الأخبار

روتيني اليومي.. حين تتحول التفاهة إلى أزمة قيم

شارك

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

لم تعد ظاهرة “روتيني اليومي” مجرد محتوى عابر على منصات التواصل، بل تحولت إلى مرآة تعكس اختلالا عميقا في منظومة القيم الرقمية، فما يعرض اليوم ليس فقط يوميات منزلية، بل خطاب بصري قائم على الإثارة، يسوق تحت غطاء العفوية، بينما هو في الحقيقة صناعة ممنهجة هدفها الوحيد حصد المشاهدات بأي ثمن.

المشكلة لم تعد في صانعات هذا المحتوى وحدهن، بل في البيئة التي تغذيه، فالخوارزميات بمنصات تكافئ كل ما هو صادم، وجمهور واسع يستهلك وينتقد في الوقت نفسه، في مفارقة تكشف ازدواجية واضحة، عنوانها رفض معلن يقابله دعم غير مباشر عبر النقر والمشاهدة والمشاركة. وهكذا، تتحول التفاهة إلى سوق مربحة، ويتحول الجسد إلى أداة تسويق رخيصة داخل فضاء بلا ضوابط حقيقية.

الأخطر أن هذا النوع من المحتوى يتسلل إلى فئات عمرية حساسة، دون رقابة كافية، ما يطرح أسئلة جدية حول أثره على الناشئة وعلى تمثلاتهم للقيم والسلوك. فحين يصبح “الانتشار” معيار النجاح، تتراجع الجودة، ويعاد تشكيل الذوق العام وفق منطق الإثارة بدل الفائدة.

أما قانونيا، فالوضع لا يقل التباسا، النصوص الحالية تجرم الأفعال الصريحة، لكنها تقف عاجزة أمام محتوى يشتغل على حافة الإيحاء، وهنا يكمن الخلل، فالمنطقة الرمادية يستغلها البعض بذكاء، بينما يتردد المشرع في الحسم، بين حماية الحريات الفردية وصون النظام العام الأخلاقي.

لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هو لا يمكن تحميل القانون وحده مسؤولية هذا الانفلات، فالمعركة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة نصوص.

مجتمع يستهلك هذا المحتوى بكثافة، لا يمكنه أن يدّعي البراءة من نتائجه. كما أن منصات رقمية تجني الأرباح من التفاعل، لن تبادر إلى التضييق إلا تحت ضغط حقيقي.

إن استمرار “روتيني اليومي” بهذا الشكل ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر على خلل أعمق في علاقتنا بالمحتوى الرقمي. وبين حرية التعبير والانفلات، يبقى السؤال معلقا “إلى متى سنكتفي بالمشاهدة والجدل، بدل اتخاذ موقف واضح يعيد رسم الحدود بين الحرية والمسؤولية”؟.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا