آخر الأخبار

“تسييس” الملفات العقارية بجماعات ترابية بجهة البيضاء يشعل حروبا بـ”الوكالة” بين منتخبين

شارك

دخلت الصراعات السياسية داخل عدد من الجماعات الترابية بجهة الدار البيضاء-سطات مرحلة جديدة، بعدما انتقلت من قاعات الاجتماعات والدورات إلى ردهات المحاكم الإدارية، على خلفية تزايد المنازعات بشأن أراض وعقارات جماعية ذات قيمة مالية ومواقع استراتيجية، حيث كشفت مصادر عليمة لجريدة “العمق” أن منتخبين، من بينهم نواب لرؤساء جماعات يتولون، بموجب تفويض، تتبع المنازعات القانونية، باشروا خلال الأشهر الأخيرة إجراءات قضائية للمطالبة باسترجاع عقارات تعتبرها الجماعات جزءا من أملاكها، أو لتفعيل مساطر نزع الملكية بشأن أراض أخرى.

غير أن بعض هذه الملفات، وفق المصادر، تحمل أبعادا سياسية تتجاوز الخلاف القانوني حول ملكية العقارات أو طرق استغلالها، في ظل احتدام الصراع بين مكونات المجالس المنتخبة ومحاولة كل طرف تعزيز موقعه قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث أوضحت أن الملفات العقارية والتعميرية أصبحت من أبرز أدوات المواجهة بين الأغلبية والمعارضة داخل بعض المجالس، بعدما تحولت القرارات المرتبطة بتدبير الملك الجماعي إلى مصدر لانقسامات حادة.

وأضافت أن النزاعات لم تعد تقتصر على النقاش بشأن الوضعية القانونية للعقارات أو جدوى استثمارها، بل امتدت إلى تبادل الاتهامات بمحاولة حماية مصالح أطراف معينة أو عرقلة مشاريع مرتبطة بخصوم سياسيين. فيما تشير المعطيات إلى أن بعض الملفات تتعلق بعقارات مرتفعة القيمة، توجد في مناطق تعرف توسعا عمرانيا متسارعا أو بالقرب من محاور طرقية ومشاريع استثمارية، ما يجعلها محط تنافس بين أطراف من داخل المجالس المنتخبة وخارجها.

ويزيد ارتفاع قيمة العقار في عدد من مناطق جهة الدار البيضاء-سطات من حساسية هذه المنازعات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأراض يمكن استغلالها في مشاريع تجارية أو سكنية أو صناعية، أو إدراجها ضمن برامج التنمية المحلية. و بحسب المصادر ذاتها، تجري بعض المواجهات بصورة غير مباشرة، عبر ما وصفته بـ”حروب بالوكالة”، إذ يتولى نواب أو أعضاء مقربون من رؤساء الجماعات قيادة المعارك القضائية، بينما تظل الشخصيات المستفيدة سياسيا بعيدة عن واجهة النزاع.

وأضافت المصادر أن هذه التحركات ترتبط، في بعض الحالات، بمحاولات الحفاظ على تماسك الأغلبية داخل المجالس، أو حماية مواقع شخصيات تربطها علاقات قرابة أو مصاهرة ببعض المسؤولين المحليين. كما يُستعمل تفويض تتبع المنازعات القانونية، وفق المعطيات المتوفرة، لتوجيه قرارات اللجوء إلى القضاء واختيار الملفات التي ينبغي تحريكها، ما يثير خلافات بشأن المعايير المعتمدة وما إذا كانت جميع العقارات المتنازع حولها تخضع للمعاملة نفسها.

وأكدت المصادر أن بعض المنتخبين باتوا ينظرون إلى التقاضي الإداري باعتباره ورقة ضغط على الخصوم، سواء لإحراجهم داخل المجالس أو التأثير على صورتهم أمام الرأي العام والناخبين. ويظهر ذلك من خلال إثارة ملفات ظلت مجمدة لسنوات، أو تحريك دعاوى قضائية في توقيت يتزامن مع تصاعد الخلافات داخل الأغلبية، أو نشر معطيات بشأن المنازعات قبل أن تفصل فيها المحاكم المختصة.

ويؤدي هذا الوضع إلى انتقال الصراع السياسي من دورات المجالس، التي تشهد عادة مواجهات بشأن الميزانيات والاتفاقيات وبرامج العمل، إلى المحاكم الإدارية المكلفة بالبث في القرارات والمنازعات المرتبطة بتدبير الجماعات الترابية، حيث ترى المصادر أن تصاعد الدعاوى يعكس غياب التوافق داخل عدد من المجالس، بعدما أصبحت الملفات التقنية والقانونية خاضعة لحسابات التحالفات السياسية، ومحاولات إسقاط أغلبيات أو إعادة تشكيلها.

وحذرت المصادر من أن استمرار تسييس الملفات العقارية قد يؤدي إلى تعطيل مشاريع تنموية واستثمارية، خصوصا عندما تترتب عن الدعاوى القضائية إجراءات توقف تنفيذ قرارات إدارية أو تجمد التصرف في عقارات إلى حين صدور أحكام نهائية، فيما قد يمتد أثر النزاعات لسنوات، بالنظر إلى تعدد درجات التقاضي وتشعب الوثائق العقارية، فضلا عن التعقيدات المرتبطة بتحديد الملكية والتحفيظ ونزع الملكية والتعويضات.

ويؤثر تجميد العقارات، في المقابل، على قدرة الجماعات على تنفيذ مشاريع مبرمجة لفائدة السكان، أو تعبئة أوعيتها العقارية لإحداث مرافق عمومية وجذب الاستثمارات وتوفير موارد مالية إضافية. كما يمكن أن تتحول المنازعات المتكررة إلى عامل يضعف ثقة المستثمرين، خاصة إذا ارتبطت المشاريع بتغير التحالفات داخل المجالس أو باعتراضات سياسية لا تستند إلى رؤية موحدة بشأن تدبير المجال.

وشددت المصادر على أن اللجوء إلى القضاء يظل حقا مشروعا وواجبا عند الضرورة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحماية الملك الجماعي واسترجاع عقارات مستغلة من دون سند أو الدفاع عن مصالح الجماعة. غير أن الإشكال، بحسب المصادر، يبدأ عندما يجري تحريك بعض الملفات بشكل انتقائي، أو استعمال المنازعات القانونية لإضعاف الخصوم وتصفية الحسابات، بدلا من اعتماد سياسة واضحة تشمل جرد جميع الأملاك وتسوية وضعيتها وفق معايير موحدة.

ويفرض حسن تدبير الملك الجماعي التوفر على سجلات محينة للعقارات، وتحديد وضعيتها القانونية، وإخضاع عمليات التفويت أو الكراء والاستغلال للمساطر والرقابة، بما يضمن حماية المال العام ويحد من إمكانية توظيف الملفات سياسيا. وتتوقع المصادر ارتفاع عدد المنازعات العقارية المعروضة على المحاكم الإدارية خلال المرحلة المقبلة، مع احتدام التنافس الانتخابي واستمرار الخلافات بشأن تدبير أملاك الجماعات وطرق استثمارها.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا