آخر الأخبار

رحلة البحث عن قطرة ماء بمولاي بوعزة.. يوميات ساكنة يطاردها “طيف العطش” منذ عقد

شارك

لم يكن الانقطاع الذي عرفه التزويد بالماء الصالح للشرب بمولاي بوعزة وسبت آيت رحو، بإقليم خنيفرة، خلال صيف 2026، مجرد عطب تقني عابر، بل أعاد إلى الواجهة أزمة متواصلة تمتد جذورها إلى أكثر من عقد. ويكشف تتبع الوقائع الموثقة منذ سنة 2015 أن المنطقة تعيش نمطا متكررا من الانقطاعات، تتبدل فيه الأسباب المعلنة، بينما تظل النتيجة واحدة: عطش السكان واضطرارهم إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين حاجياتهم اليومية.

وفي كل مرة تعود فيها المياه إلى الصنابير، تخفت حدة الاحتجاجات مؤقتا، قبل أن تتجدد الأزمة مع حلول الصيف أو خلال فترات ارتفاع الاستهلاك، مثل شهر رمضان وعيد الأضحى. وبين الأعطاب التقنية، وضعف البنيات، وارتفاع الطلب، وصعوبة تزويد المناطق المرتفعة، يظل السؤال قائما: لماذا لم تنجح المشاريع المتعاقبة في ضمان تزويد مستقر بالماء؟

بداية الأزمة

بدأت ملامح الأزمة تتضح في غشت 2015، بعدما انقطع الماء عن مركز مولاي بوعزة لمدة ثلاثة أيام متتالية، تزامنا مع موجة حرارة. واضطر السكان إلى الاعتماد على الآبار والعيون الطبيعية أو التنقل إلى مناطق مجاورة لجلب المياه.

وعند استئناف التزويد، أثار تغير لون المياه إلى الرمادي مخاوف السكان، الذين أحجم كثير منهم عن استعمالها للشرب والطبخ، في ظل غياب أي توضيحات رسمية بشأن أسباب تغير اللون أو مدى سلامة المياه. وكشفت هذه الواقعة أن الإشكال لم يقتصر على الانقطاع، بل شمل أيضا ضعف التواصل مع المواطنين وغياب المعلومات حول أسباب التوقف وآجال استئناف الخدمة.

بعد أقل من عام، عاد المشهد نفسه بصورة أكثر حدة. ففي يونيو 2016، استمر انقطاع الماء نحو ستة أيام، ما أجبر السكان مجددا على اللجوء إلى الآبار والعيون الطبيعية، وسط شكاوى من غياب الإخبار الرسمي وعدم تحديد موعد لعودة التزويد.

وأكد هذا الانقطاع أن ما وقع سنة 2015 لم يكن حادثا استثنائيا، بل بداية أزمة دورية تتكرر مع كل صيف.

مصدر الصورة

سيناريو العطش يتكرر

استمرت الانقطاعات خلال صيفي 2017 و2018، خاصة في شهر رمضان، بالتزامن مع موجات الحر وارتفاع الطلب على المياه، حيث امتدت في بعض الفترات لأيام عدة، ما دفع السكان إلى الاعتماد مجددا على الآبار والعيون الطبيعية.

وأكدت شهادات محلية آنذاك أن الأزمة أصبحت موسمية، تتكرر في الفترة نفسها من كل سنة، دون إشعار مسبق أو توضيح لمواعيد استئناف التزويد.

وتجددت الأزمة خلال عيد الأضحى لسنة 2018، مع ارتفاع الاستهلاك المرتبط بالذبح والتنظيف وعودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج. ورغم عقد لقاءات بين الجهة المشرفة وممثلي المجتمع المدني، الذين طالبوا بحلول جذرية وآلية واضحة لإخبار السكان قبل الانقطاعات، ظلت التدخلات تقتصر على معالجة الأزمة بعد وقوعها، دون إجراءات استباقية تحد من تكرارها.

بلغت الأزمة منعطفا جديدا خلال صيف 2019، بعدما تحولت شكاوى السكان إلى احتجاجات جماعية، إثر استمرار الانقطاعات للسنة الرابعة على التوالي، خصوصا خلال الصيف وعيد الأضحى.

واشتكى السكان من عدم انتظام التزويد، خاصة بالأحياء المرتفعة، ما دفع عددا من الأسر إلى تخزين المياه أو جلبها من القرى والدواوير المجاورة.

وفي أواخر غشت، نظم مئات المواطنين، بمشاركة أرباب المقاهي والمحلات التجارية، وقفة احتجاجية للمطالبة بحقهم في الماء، رافعين شعارات تدعو إلى تدخل الملك محمد السادس لوضع حد للأزمة. كما أغلق عدد من التجار محلاتهم تضامنا مع المحتجين، ولوحوا بمقاطعة أداء فواتير الماء وتنظيم مسيرة نحو عمالة إقليم خنيفرة، معتبرين أن الأزمة تجاوزت بعدها الاجتماعي لتؤثر أيضا في الحركة التجارية والاقتصادية بالمركز.

الجائحة لم تنه الأزمة

رغم انشغال الرأي العام بتداعيات جائحة كورونا، عادت انقطاعات الماء خلال يوليوز 2020، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة.

واضطر السكان مرة أخرى إلى الاعتماد على الآبار والمصادر الطبيعية، وسط استمرار الشكاوى من غياب الإشعار المسبق وعدم تحديد موعد لاستئناف التزويد، بما يؤكد استمرار النمط نفسه: انقطاع مفاجئ، ضعف في التواصل، واعتماد على حلول فردية لتجاوز الأزمة.

شهدت سنة 2021 أول تشخيص رسمي يفسر جزءا من أسباب الأزمة، إذ تبين أن مولاي بوعزة تتزود بالماء عبر قناة جر يتجاوز طولها 85 كيلومترا انطلاقا من محطة معالجة المياه بخنيفرة، وتعتمد على أربع محطات للضخ، إضافة إلى تزويدها مراكز أخرى، ما يجعل أي عطب بالشبكة يؤثر على عدة مناطق في الوقت نفسه.

مصدر الصورة

وفي السياق ذاته، أعلنت الجهة المشرفة عن مشروع لتأهيل قناة الجر وتقوية صبيبها، وإنجاز خزانين بسعة ألفي متر مكعب لكل واحد بمولاي بوعزة وأكلموس، بكلفة تجاوزت 28 مليون درهم، مع برمجة دخوله حيز الاستغلال خلال سنة 2022.

رغم المشاريع المعلنة، عادت الأزمة خلال عيد الأضحى لسنة 2022، بعدما عرف مركز مولاي بوعزة انقطاعا كليا للماء لعدة أيام، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم آثار الجفاف.

وأكد السكان أن الانقطاع وقع دون إشعار مسبق، وأنه يتكرر خلال الفترة نفسها منذ سنوات، مطالبين بحلول دائمة تضمن استمرارية التزويد بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الأزمة.

تراجع الانقطاعات

شهدت سنتا 2023 و2024 تحسنا نسبيا في انتظام التزويد مقارنة بالسنوات السابقة، إذ اقتصرت الاضطرابات على انقطاعات متفرقة وقصيرة.

غير أن شكاوى السكان انتقلت إلى جانب آخر، تمثل في ارتفاع ملوحة مياه الشرب، وما أثارته من تساؤلات بشأن جودتها وصلاحيتها للاستعمال اليومي، لتتحول المطالب من ضمان استمرارية التزويد إلى تحسين جودة الخدمة أيضا.

شكل انتقال تدبير مرفق توزيع الماء الصالح للشرب، ابتداء من فاتح غشت 2025، إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات بني ملال-خنيفرة محطة جديدة في تدبير القطاع، بعد حلولها محل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، في إطار الإصلاح الوطني لمنظومة التوزيع.

غير أن استمرار اضطرابات التزويد وشكاوى السكان من ملوحة المياه أعاد طرح سؤال المسؤولية: هل تتحمل الشركة الجديدة مسؤولية أزمة متراكمة ورثت بنيتها وتجهيزاتها، أم أن مسؤوليتها تنحصر في تدبير المرفق وفق الإمكانات المتاحة؟

وتؤكد الشركة، في عدد من تفاعلاتها، أن بعض الإكراهات الحالية مرتبطة ببنيات وتجهيزات موروثة عن المرحلة السابقة، غير أن هذا الطرح يفتح نقاشا حول حدود المسؤولية بعد انتقال التدبير، في وقت يظل فيه المواطن معنيا قبل كل شيء بالحصول على خدمة منتظمة ومياه ذات جودة.

اختبار للشركة الجهوية

جاء صيف 2026 ليشكل أول اختبار فعلي للشركة الجهوية متعددة الخدمات، غير أن الأزمة عادت من جديد، بعدما تسبب انسداد القناة الرئيسية في انقطاع التزويد عن مولاي بوعزة وسبت آيت رحو لعدة أيام.

ورغم إعلان الشركة تدخل فرقها التقنية لإصلاح العطب، يرى عدد من السكان أن تغيير الجهة المكلفة بالتدبير لم ينعكس، إلى حدود الآن، على انتظام التزويد، إذ ما تزال الأعطاب والانقطاعات تتكرر خلال فترات الذروة.

مصدر الصورة

ورغم أن الشركة لا تتحمل بمفردها مسؤولية اختلالات راكمتها شبكة موروثة، فإنها تبقى مسؤولة، بصفتها الجهة المدبرة، عن ضمان استمرارية الخدمة وتحسين جودتها. كما يكشف تتبع مسار الأزمة منذ سنة 2015 أنها لم تعد مجرد أعطاب تقنية متفرقة، بل أصبحت أزمة بنيوية تتكرر في الفترات نفسها، في ظل غياب حصيلة معلنة لنتائج المشاريع المنجزة أو تقييم واضح لأثرها على واقع التزويد.

تكشف الوقائع الممتدة بين سنتي 2015 و2026 أن أزمة الماء بمولاي بوعزة تجاوزت كونها اختلالات ظرفية، لتتحول إلى ملف مزمن ظل مفتوحا رغم تعاقب الجهات المشرفة والإعلان عن مشاريع إصلاح متتالية.

وبين الأعطاب التقنية، ومحدودية البنيات، والبرامج المعلنة، لا تزال الساكنة تنتظر حلولا مستدامة تضمن انتظام التزويد، وتحسن جودة المياه، وتضع حدا لأزمة امتدت لأكثر من عقد.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا