أكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض، مولود أمغار، أن الهجرة غير النظامية لم تكن يوما قرارا فرديا أو استجابة ميكانيكية للفقر والبطالة، بل هي قرار يصنع داخل منظومة علاقات معقدة تعكس أزمة ثقة عميقة في المستقبل.
وأوضح المتحدث في حوار مع جريدة “العمق” أن منصات التواصل الاجتماعي تؤدي دورا محوريا في إنتاج ما سماه “مخيال الهجرة” واقتصاد الأمل، عبر صناعة صور منتقاة عن النجاح، مبرزا أن هذه الوسائل لا تنتج الظاهرة من العدم بل تضاعف أثر أوضاع اجتماعية قائمة تتسم بصعوبة الإدماج وتراجع الثقة في المؤسسات.
وأشار الخبير في علم الاجتماع إلى أن أحداث سبتة الأخيرة لا ينبغي قراءتها كمجرد محاولة عبور، بل كمؤشر على تحول بنيوي يطرح تساؤلات حول أسباب فقدان المجال لقدرته على إقناع الشباب ببناء مستقبلهم داخله، مسجلا أن الهجرة تشمل أيضا الكفاءات والأطباء، مما يثبت أن الدافع الأساسي هو الشعور بأن الزمن الاجتماعي لم يعد يعمل لصالحهم وأن التعليم لم يعد يضمن الترقية الاجتماعية.
وكشف المصدر ذاته أن هجرة القاصرين تطرح إشكالا أكثر تركيبا، لتأثرهم بمعلومات مضللة توهمهم بأن المستقبل يوجد خارج الحدود، مشددا على حاجتهم إلى سياسات وقائية تعيد الاعتبار للتعليم والتكوين بوصفهما مصعدين للحركية الاجتماعية.
وخلص أمغار في حواره مع الصحيفة إلى أن المقاربة الأمنية ضرورية لمكافحة شبكات الاتجار بالبشر، لكنها عاجزة بمفردها عن معالجة جذور الظاهرة، داعيا إلى بناء شروط تجعل الهجرة تفقد جاذبيتها عبر التوزيع العادل للثروة، وتقليص الفوارق المجالية، وإعادة إنتاج الأمل والثقة في جدوى الاستثمار في الذات داخل الوطن.
وهذا نص الحوار كاملا:
كيف تفسرون تحول الهجرة غير النظامية من قرار فردي إلى سلوك جماعي، وما دور وسائل التواصل الاجتماعي والأسرة والمحيط الاجتماعي في تغذية هذه الظاهرة؟
أعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نعتقد أن الهجرة وخصوصا غير النظامية كانت يوما ما قرارا فرديا، لأن هذا التصور يحمل الفرد وحده مسؤولية قرار يتشكل في الواقع داخل شبكة اجتماعية معقدة. فقرار الهجرة يصنع داخل منظومة من العلاقات تضم الأصدقاء والأقارب وتجارب المهاجرين السابقين، إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تؤدي دورا محوريا في إنتاج ما يسمى بـ’المخيال الهجروي’ وإقتصاد الأمل فهي لا تنقل المعلومات فقط، بل تصنع صورا منتقاة عن النجاح والرفاه وإمكانية إعادة بناء الحياة، فتجعل الهجرة تبدو لفئات عريضة من الشباب الطريق الأقصر لتحقيق طموحاتهم.
لكن سيكون من الخطأ أيضا تحميل وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية الظاهرة. فهي لا تنتج الرغبة في الهجرة من العدم، بل تضاعف أثر أوضاع اجتماعية قائمة، مثل صعوبة الإدماج، واتساع التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتراجع الثقة في المؤسسات وفي المستقبل أيضا.
بناء على ما سبق، أعتقد أن ما شهدناه في سبتة عبر وسائل الإعلام الوطنية والدولية لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد محاولة عبور جماعية، بل باعتباره مؤشرا على تحول بنيوي في علاقة جزء من الساكنة بالمجال والمستقبل. ويدفعنا إلى تغيير الأسئلة، وعندما يصبح آلاف الشباب مستعدين لعبورها دفعة واحدة، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: كيف نحمي الحدود؟ بل: لماذا لم يعد البقاء داخل المجال يبدو لكثير من الشباب مشروعا موثوقا لبناء المستقبل؟
إلى أي حد تعكس محاولات الهجرة الجماعية أزمة اجتماعية وثقافية مرتبطة بفقدان الثقة في المستقبل، أم أنها تعبير عن تحولات في منظومة القيم وتنامي “الحلم الأوروبي” لدى الشباب، بمن فيهم القاصرون؟
لم تعد التحليلات الجادة تنظر إلى الهجرة باعتبارها استجابة ميكانيكية للفقر أو البطالة، كما لم يعد من المقبول اختزالها في علاقة سببية بسيطة بين الحرمان الاقتصادي والرغبة في المغادرة. فلو كان الفقر وحده هو المحرك، لكانت الفئات الأكثر فقرا هي الأكثر هجرة، بينما تكشف الوقائع والإحصائيات أن الهجرة تشمل أيضا الأطباء والمهندسين والباحثين وأصحاب الكفاءات، أتحدث هنا عما يسمى بـ”هجرة الأدمغة”. الفرق أن هذه الفئة تهاجر عبر قنوات قانونية، لذلك لا تثير الصدمة الإعلامية التي تثيرها محاولات العبور الجماعي. وهذا يعني أن القاسم المشترك بين هذه الفئات ليس الفقر، وإنما الشعور بأن المناخ العام لم يعد يوفر أفقا كافيا لتحقيق الطموحات المهنية والاجتماعية والشخصية.
من هذا المنظور، أدعو إلى النظر إلى الهجرة باعتبارها أزمة علاقة بالمستقبل أكثر منها أزمة دخل. فالشباب لا يغادرون فقط لأنهم فقراء، وإنما لأنهم يشعرون بأن الزمن الاجتماعي لم يعد يعمل لصالحهم؛ أي أن الدراسة، والعمل، والتكوين، والتدريب، لم تعد تضمن بالضرورة ترقية اجتماعية أو اعترافا أو استقرارا. وعندما يفقد الأفراد ثقتهم في قدرة المؤسسات على تحويل الاستثمار في التعليم والعمل إلى فرص حقيقية، تتحول الهجرة من خيار اقتصادي إلى مشروع لإعادة بناء المستقبل في مجال آخر.
أعتقد اليوم أننا بحاجة أكثر إلى تغيير زاوية النظر، باستبدال السؤال من لماذا يغامر الشباب في وضعيات صعبة بخوض غمار الهجرة غير النظامية؟ إلى لماذا يفقد المجال قدرته على إقناع جزء من شبابه بأن مستقبلهم يمكن أن يبنى داخله؟ فعندما يصبح المستقبل متخيلا خارج الحدود أكثر منه داخلها، فإن الهجرة تكشف عن أزمة في إنتاج الأمل الجماعي، في ظل تصاعد معدلات التفاوتات الاجتماعية والمجالية والتوزيع اللاعادل للتنمية.
أما بالنسبة إلى القاصرين، فإن الظاهرة تطرح إشكالا أكثر تركيبا، لأنها لا ترتبط فقط بقرار اقتصادي أو بحسابات عقلانية، بل أيضا بتأثير صور منتقاة ومعلومات مضللة تنتجها شبكات التواصل الاجتماعي، وترسخ لديهم تصورا بأن المستقبل يوجد خارج الحدود أكثر مما يوجد داخلها. لذلك، فإن التعامل مع هجرة القاصرين لا ينبغي أن يقتصر على اعتبارهم مهاجرين غير نظاميين، بل باعتبارهم فئة اجتماعية تحتاج إلى سياسات وقائية تعيد بناء الأمل والثقة في المستقبل، من خلال استعادة الدور الذي كان يؤديه التعليم والتكوين بوصفهما مصعدين للحركية الاجتماعية، ومساحات ثقافية وسياسة وفنية للتعبير عن الذات.
ما السياسات الاجتماعية الكفيلة بمعالجة جذور الظاهرة بعيدًا عن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية؟
للمساهمة في الإجابة عن سؤال: ما العمل لمعالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية بعيدا عن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية؟ ينبغي أولا الإشارة إلى أن التدابير الأمنية ضرورية، من أجل مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والحد من المآسي الإنسانية التي ترتبط بمحاولات عبور غير آمنة. غير أن هذه التدابير، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة الشروط الاجتماعية والاقتصادية والرمزية التي تجعل الهجرة غير النظامية تبدو بالنسبة لبعض الشباب اختيار جذابا.
لذلك، ربما نحتاج قبل كل شيء إلى تغيير زاوية النظر نفسها. فبدل أن يظل السؤال المركزي هو: كيف نمنع الهجرة غير النظامية؟ يمكن طرح سؤال أكثر ارتباطا بالعدالة الاجتماعية والمجالية: كيف نبني شروطا تجعل الهجرة غير النظامية تفقد جاذبيتها باعتبارها خيارا للمستقبل؟
لقد أصبحت الكثير من عناصر الإجابة معروفة في الأدبيات وفي النقاش العمومي، من قبيل خلق فرص اقتصادية، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. لكن التحدي يكمن في بناء آليات فعالة تجعلها ملموسة في حياة الأفراد والمجالات التي ينتمون إليها. فالمسألة ترتبط أساسا بكيفية تحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة والفرص، وبناء عدالة مجالية تقلص الإحساس لدى بعض المناطق بأنها خارج مسارات التنمية. وأيضا إعادة إنتاج الثقة: الثقة في جدوى الاستثمار في الذات من خلال التعليم والتكوين والبحث عن الفرص، والثقة في أن المستقبل.
المصدر:
العمق