آخر الأخبار

خطاب العرش يجدّد وضع النظام المالي أمام مسؤولية مواكبة التحولات

شارك

أكد محللون اقتصاديون وخبراء في الشؤون المالية أن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2026 محطةٌ مفصلية وضعت المنظومة المالية والبنكية، للمرة الثالثة، “أمام مسؤولياتها التاريخية” لمواكبة التحولات الاقتصادية العميقة بالمملكة.

وأجمعت قراءات تحليلية، استقتها هسبريس غداةَ خطاب الملك محمد السادس أمس الأربعاء، على أن الدعوة الصريحة لأعلى سلطة في البلاد إلى تعبئة التمويل الداخلي والادخار الوطني تستدعي “إحداث قطيعة مع الممارسات الكلاسيكية عبر تغيير هيكلي للنموذج البنكي الحالي وكذا بعض ضوابطه التنظيمية”.

يقتضي هذا التحول الاستراتيجي تخفيف الضوابط الاحترازية الصارمة التي تعيق ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة (PME) إلى التمويل، مع التوجه نحو إرساء دعائم “بنوك الاستثمار” وتفعيل آليات الضمان المؤسساتي التي تتحمل فيها الدولة جزءا من المخاطر.

وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة الملحة، حسب خبراء تحدثوا إلى الجريدة، إلى “ابتكار أدوات مالية جديدة لتعبئة الادخار العمومي والمؤسساتي وإعادة توزيعه بعيدا عن التركز الشديد في السندات الحكومية الآمنة، وتوجيهه عوضا عن ذلك نحو تنشيط أسواق الرساميل وتمويل المشاريع المهيكلة الكبرى، بما يكفل تحقيق التوازن الدقيق بين إدارة المخاطر وتوفير الموارد المالية المستدامة الكفيلة بتسريع الدينامية التنموية وتكريس مكانة المغرب كقوة اقتصادية صاعدة قادرة على مجابهة تحديات عدم اليقين العالمي”.

بنوك الاستثمار ومراجعة تنظيم الادخار

أكد زكرياء فيرانو، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “الدعوة الملكية المتجددة إلى تعبئة التمويل الداخلي والادخار المؤسساتي تستند إلى معطيات اقتصادية موضوعية يواجهها الاقتصاد الوطني”، كاشفا أن إشكالية التمويل تظل من أبرز العوائق التي تعترض نمو المقاولات والقطاع الخاص؛ وهو ما تؤكده تقارير بنك المغرب وتقاريرُ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تصنف التمويل ضمن أهم العقبات الرئيسي.

وأضاف فيرانو، في تصريح لهسبريس، أن “عدم اليقين الذي يلفّ الاقتصاد العالمي، اليوم، جعل الولوج إلى الأسواق المالية والبنوك الدولية أمرا بالغ الصعوبة ومصحوبا بتكلفة مرتفعة؛ “ما يحتم الاعتماد على التمويلات الداخلية لتسريع الديناميات التنموية”.

وأبرز الأكاديمي الاقتصادي نفسه أن “المنظومة المالية الوطنية تمتلك ادخارا عموميا يتجاوز 34 في المائة من الناتج الإجمالي؛ غير أنه يعاني من تركز شديد في سندات الخزينة والديون العمومية عن طريق المؤسسات الاستثمارية، مما يعكس هيمنةَ سلوك يحبذ تجنب المخاطر لدى الفاعلين، حيث يتجه أكثر من 70 في المائة من هذا الادخار نحو سندات ذات عائد مضمون ومخاطر شبه معدومة.

واستحضر طبيعةَ النموذج البنكي المغربي، الذي اعتمد خيار “البنك الشامل” أو “التجاري” القائم على الودائع التي تتجاوز 900 مليار درهم، تفرض عليه الالتزام بالمعايير التنظيمية والقوانين الدولية، ولا سيما اتفاقيات “بازل”، التي تحظر على هذه البنوك الإقدام على مخاطرات عالية حفاظا على الودائع واستقرار النظام المالي.

باسطا حلولا عملية، شدد المصرح عينه على “ضرورة إحداث تغيير هيكلي في النموذج العملي للبنوك الوطنية عبر التوجه نحو فصل البنوك التجارية عن بنوك الاستثمار، على غرار التجارب الدولية (كالنظام الأمريكي أو نموذج بنوك التعاضد الفرنسي). وتتيح هذه الخطوة للبنوك التجارية مواصلة دورها التقليدي في حفظ الودائع والالتزام بالضوابط الاحترازية الدولية؛ بينما تتفرغ بنوك الاستثمار لتحمل المخاطر وتوجيه التمويلات اللازمة للمقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار، مع تسهيل حصول هذه البنوك الاستثمارية على الموارد والتمويلات من كبار المستثمرين المؤسساتيين.

وعلى مستوى النظام المالي غير البنكي، دعا المصرح عينه إلى “إعادة النظر في النصوص والقوانين التنظيمية المؤطرة للمؤسسات الاستثمارية الكبرى؛ مثل صندوق المغرب للتقاعد، وصندوق الضمان الاجتماعي، وشركات التأمين والتعاضديات.

وأوضح أن “مراجعة الأطر القانونية للادخار العمومي والمؤسساتي ستسمح بإعادة توجيهه نحو تنشيط أسواق الرساميل والأسواق النقدية وتمويل المقاولات الوطنية بدلا من الاقتصار على السندات الحكومية.

واختتم فيرانو بالتأكيد على أن تنشيط التمويل يتطلب رؤية تشاركية وتنسيقا وثيقا بين السلطات المالية وبنك المغرب ووزارة المالية وهيئات أسواق الرساميل، إلى جانب فتح نقاش وطني موسع يشارك فيه الخبراء والجامعيون لتحقيق الموازنة الدقيقة بين إدارة المخاطر وتوجيه الادخار لخدمة التنمية الاقتصادية”.

“دعوة صريحة” تنتظر التحرك..

من جهته، قال مصطفى الجاي، خبير اقتصادي المختص في الشؤون المالية والبنكية، إن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش 2026 وضَع الشأن الاقتصادي “في صلب رسائله وتوجيهاته”.

وأوضح الجاي، في تصريح لهسبريس، أن “الملك أشاد بالمتانة الجيدة التي يتمتع بها الاقتصاد المغربي (…) معلّقا بأن “الخطاب طبعته نبرة تفاؤل قوية بالمنجزات وتطلٌّعٌ إلى أدوار طلائعية أكبر لجهود التمويل الداخلي على الخصوص”.

وفي الشق المالي، أبرز الخبير المختص في الشؤون المالية والبنكية أن الخطاب الملكي وجّه دعوة صريحة إلى القطاع المالي بصفة عامة، والبنكي بصفة خاصة، “من أجل إحداث تغيير جذري في مقاربته ونموذجه العملي لمواكبة الاستثمارات الكبرى والمهيكلة”.

وسجل المتحدث عينه أنه “على الرغم من الجهود التي بذلها القطاع البنكي إبان أزمة كوفيد عبر تمويلات الإنعاش، فإن المرحلة الراهنة تتطلب تركيزا أكبر على تسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل، باعتبارها المحرك الأساسي للقطاع الخاص وخلق فرص الشغل”.

وفي هذا الصدد، أشار الجاي إلى أن هذه الفئة تمثل 95 في المائة من النسيج الاقتصادي؛ في حين لا تتجاوز حصتها من القروض البنكية 30 في المائة.

ولتجاوز هذا الوضع، شدد الخبير المالي على “ضرورة قيام بنك المغرب بتخفيف القواعد والضوابط الاحترازية المطبقة على البنوك، إذ لا يُعقل أن تخضع مقاولة صغرى للمعايير الصارمة نفسها التي تطبق على الشركات الكبرى”، وفقه مستدركا بأنه “ورش يشتغل عليه حاليا البنك المركزي بتنسيق مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب والمجموعة المهنية لبنوك المغرب، تنفيذا للتعليمات الملكية من أجل إيجاد حلول عملية لتمويل هذه المقاولات”.

وإلى جانب تليين الضوابط الاحترازية لمساعدة البنوك على منح القروض، دعا إلى “ضرورة تفعيل آليات وصناديق الضمان المؤسساتي لدعم المقاولات التي تفتقر إلى ضمانات كافية، حيث تتحمل الدولة جزءا مهما من المخاطر.

من جهة أخرى، تطرق الجاي إلى دعوة الخطاب الملكي لابتكار آليات جديدة في تعبئة الادخار الوطني، مؤكدا على الحاجة الماسة إلى إيجاد أدوات ادخار مبتكرة، خاصة على المديين المتوسط والطويل، بهدف تنشيط السوق المالية الوطنية.

واعتبر أن تمويل المشاريع المهيكلة الكبرى التي ينخرط فيها المغرب يتطلب موارد مالية مستدامة؛ وهو ما يفرض على النظام المالي بلورة رؤية استشرافية قادرة على تلبية هذه الاحتياجات.

واختتم الجاي تصريحه بالتأكيد على أن هذا الخطاب يحمل جرعة تفاؤل كبرى، ويبرز بشكل جلي أن المغرب يمتلك كافة المقومات والأسس المتينة لترسيخ مكانته كقوة اقتصادية صاعدة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا