كشف تحقيق دولي جديد أن السلطات الفرنسية درست، على مدى أشهر، إمكانية اقتناء برنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس»، بقيمة قُدرت بما بين 60 و80 مليون يورو، بالتزامن مع تعرض هواتف سبعة وزراء فرنسيين لاختراقات محتملة باستخدام البرنامج نفسه، ربط معدو التحقيق بعض مؤشراتها بالمغرب.
ونشر اتحاد «فوربيدن ستوريز» الاستقصائي، بالتعاون مع شركائه، التحقيق في 16 يوليوز الجاري، بالتزامن مع زيارة الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط على رأس وفد يضم 12 وزيرا، للمشاركة في الاجتماع المغربي-الفرنسي رفيع المستوى.
وبحسب التحقيق، الذي استند إلى وثائق ومحاضر استماع ضمن مسطرة قضائية فرنسية، أبدت عدة أجهزة حكومية واستخباراتية فرنسية اهتماما باقتناء البرنامج الذي تطوره مجموعة «NSO» الإسرائيلية، قبل أن يتدخل قصر الإليزيه في نهاية سنة 2020 لوقف المشروع.
وأكد التحقيق أن الدراسة الفرنسية لاقتناء البرنامج بلغت مراحل متقدمة، إذ أُجريت اجتماعات بين الموزع الحصري لـ«NSO» في فرنسا ومسؤولين في أجهزة استخباراتية وأمنية، كما جرى بحث خصائص تقنية مخصصة لاستخدام السلطات الفرنسية.
وكشف موزع البرنامج، خلال استماع المحققين إليه، أن قيمة الصفقة المقترحة لفرنسا كانت تتراوح بين 60 و80 مليون يورو، فيما كان سيحصل على عمولة تتراوح بين 50 و65 ألف يورو في حال إتمامها.
وأشارت الوثائق إلى أن المديرية العامة للأمن الداخلي ومديرية الاستخبارات العسكرية كانتا من بين الجهات المحتمل استفادتها من البرنامج، إلى جانب وزارة العدل التي درست إمكانية استخدامه في التحقيقات المرتبطة بالإرهاب والاتجار في المخدرات.
ولا تتضمن المعطيات المنشورة، وفق التحقيق، ما يشير إلى أن الاستخدامات التي كانت فرنسا تعتزم تخصيص البرنامج لها ستكون مخالفة للقانون، إذ كان النقاش يتعلق بتوظيفه ضمن عمليات أمنية وقضائية رسمية.
ووفق المصدر نفسه، كان من بين الخصائص التي جرى بحثها تزويد النسخة المحتمل بيعها لفرنسا بآلية تحد من مدة عمل البرنامج، وتسمح له بإزالة نفسه تلقائياً لتفادي اكتشافه عند إخضاع الهاتف المستهدف للفحص التقني.
غير أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرر، خلال اجتماع لمجلس الدفاع في نهاية سنة 2020، وقف مشروع الاقتناء، بسبب مخاوف مرتبطة بالسيادة الفرنسية والمخاطر التي يمكن أن تلحق بصورة البلاد نتيجة استخدام برنامج ارتبط بأنظمة متهمة بالتجسس على صحافيين وحقوقيين ومسؤولين سياسيين.
ورغم قرار الإليزيه، تكشف الوثائق أن موزع «بيغاسوس» في فرنسا تقدم، في يونيو 2021، بطلب جديد للحصول على الترخيص القانوني اللازم لتسويق تقنيات المراقبة والاعتراض، مشيرا إلى استمرار رغبة المديرية العامة للأمن الداخلي في اقتناء البرنامج.
وأثار تقديم الطلب، بعد نحو ستة أشهر من رفض الرئاسة الفرنسية للصفقة، تساؤلات لدى معدي التحقيق بشأن احتمال استمرار بعض الأجهزة في الدفع نحو إتمامها، أو محاولة الشركة الإسرائيلية إبقاء العرض قائماً تحسباً لتراجع سياسي عن قرار المنع.
وفي مقابل اهتمام عدد من المؤسسات الفرنسية باقتناء «بيغاسوس»، قال التحقيق إن هواتف سبعة أعضاء في الحكومة الفرنسية آنذاك أظهرت «مؤشرات اختراق» مرتبطة بالبرنامج.
ويتعلق الأمر، بحسب المصدر، بكل من سيباستيان لوكورنو، وجان ميشيل بلانكي، وجاكلين غورو، وجوليان دونورماندي، وإيمانويل فارغون، وفرانسوا دو روغي وفلورانس بارلي.
وزعم معدو التحقيق أن المؤشرات التقنية المكتشفة داخل بعض الهواتف تشبه علامات سبق رصدها في أجهزة أشخاص قيل إنهم كانوا محل اهتمام من المغرب، وهو ما استند إليه التحقيق لربط عمليات الاختراق المزعومة بالرباط.
وعُثر داخل هاتف لوكورنو، الذي كان يشغل وقتها منصبا وزاريا، على مؤشرين تقنيين مرتبطين بعنوانين إلكترونيين ظهرا داخل ملفات التخزين المؤقت التابعة لشركة «آبل». كما عُثر على أحد العنوانين داخل هاتف وزيرة الجيوش السابقة فلورانس بارلي.
وأوضح التحقيق أن أحد هذه المؤشرات سبق أن ظهر في عملية اختراق هاتف الصحافي المغربي عمر الراضي، وفق تحليلات سابقة أجراها مختبر الأمن الرقمي التابع لمنظمة العفو الدولية.
غير أن وجود مؤشرات تقنية مشابهة أو إدراج أرقام ضمن قوائم الأهداف المحتملة لا يشكل، بمفرده، دليلا قضائيا قاطعا على الجهة التي أمرت بالاستهداف أو نفذته، فيما ظل المغرب ينفي باستمرار استخدام «بيغاسوس» للتجسس على مسؤولين وصحافيين وشخصيات عامة.
وكان مشروع «بيغاسوس»، الذي نُشرت نتائجه الأولى في صيف 2021، قد أفاد بوجود رقم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأرقام 15 عضوا في الحكومة ضمن قائمة لأهداف محتملة نُسبت إلى مستخدم مغربي للبرنامج.
ولم تُكشف، حتى الآن، نتائج التحليل التقني الذي خضع له هاتف ماكرون، إذ أكد مسؤول استخباراتي فرنسي سابق، وفق التحقيق، أن الملف عولج مباشرة من قبل قصر الإليزيه في سرية مشددة.
في المقابل، قال معدو التحقيق إن تحليلات تقنية جديدة أكدت وجود مؤشرات اختراق داخل هواتف الوزراء السبعة، وإن بعضها استمر إلى غاية مارس 2020، أي بعد آخر تواريخ الاستهداف التي كُشف عنها ضمن التحقيقات المنشورة سنة 2021.
واستند التحقيق كذلك إلى رسالة منسوبة إلى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، مؤرخة في أبريل 2022، تفيد بأن تحليلاتها مكنتها من ربط بعض عمليات الاختراق بأنشطة استخباراتية لدول تستخدم البرنامج، من دون أن تقدم الوثيقة المنشورة دليلا علنيا حاسماً يثبت مسؤولية دولة بعينها عن كل حالة.
وأشار التحقيق إلى أن القضاء الفرنسي فتح أبحاثا عقب شكايات تقدم بها أشخاص قالوا إنهم تعرضوا للتجسس عبر «بيغاسوس»، غير أن القضاة واجهوا صعوبات في الحصول على تعاون قضائي من المغرب، بحسب ما أورده المصدر.
كما توقف التحقيق عند عمل الدبلوماسي الفرنسي السابق جيرار أرو مستشارا للأخلاقيات لدى شركة «NSO» بين شتنبر 2019 وشتنبر 2020، بعد زيارته مقر الشركة سنة 2019 بدعوة من صندوق الاستثمار الذي كان يملكها.
وبحسب إفادته للمحققين، راودته شكوك بشأن احتمال وجود منفذ تقني يسمح لجهاز استخباراتي إسرائيلي بالوصول إلى البرنامج، لكنه وافق رغم ذلك على تولي المهمة الاستشارية قبل أن يغادرها بعد عام.
وتأتي هذه التسريبات في ظرف يشهد تحسنا ملحوظا في العلاقات بين الرباط وباريس، تُوج بعقد الاجتماع رفيع المستوى وتوقيع اتفاقيات للتعاون في عدة قطاعات، فضلاً عن إعلان فرنسا ثبات موقفها الداعم لسيادة المغرب على الصحراء.
ولم يتضمن التحقيق المنشور ردا مغربيا جديدا على المعطيات الأخيرة، في حين سبق للسلطات المغربية أن نفت بصورة قاطعة الاتهامات المرتبطة باستخدام «بيغاسوس»، واعتبرتها ادعاءات تفتقر إلى أدلة مادية تثبت اقتناء المملكة للبرنامج أو توظيفه لاستهداف مسؤولين فرنسيين.
المصدر:
العمق