تستعد وزارة الاقتصاد والمالية لإجراء تدقيق استراتيجي، مؤسساتي، تنظيمي، وعملياتي شامل للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”. وتأتي هذه الخطوة لتمكين الوكالة، باعتبارها الفاعل العمومي المركزي في تنزيل السياسات النشطة للتشغيل، من مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة، والرفع من نجاعتها العملياتية والمالية.
ووفقا للمعطيات المتوفرة، فإن المهمة لا تقتصر على افتحاص الجوانب المالية أو الإدارية، بل تشمل مراجعة شاملة لنموذج اشتغال الوكالة، وطرق حكامتها، وأدائها المؤسساتي، ونجاعة خدماتها، ومدى مساهمتها في مواجهة تحديات البطالة، مع إمكانية اقتراح إعادة هيكلة عميقة تتماشى مع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية الذي تقوده الحكومة.
وتعتبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات إحدى أهم المؤسسات العمومية المكلفة بالوساطة في سوق الشغل، إذ تضطلع بمهام استقبال طالبي الشغل، وربط العرض بالطلب، ومواكبة الشباب والمقاولين، والمساهمة في برامج الإدماج المهني والتشغيل الذاتي، إضافة إلى تتبع تطورات سوق الشغل وطنيا ودوليا.
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن هذا التدقيق الذي خصصت له ميزانية 900 ألف درهم في إطار طلب عروض أطلقته وزارة الاقتصاد والمالية، يأتي في إطار تنزيل مقتضيات القانون-الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة القطاع العام وتحسين الحكامة وترشيد النفقات والرفع من النجاعة الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسات العمومية.
كما يرتبط هذا الورش بخارطة الطريق الحكومية للتشغيل للفترة 2025-2030، والاستراتيجية الوطنية للتشغيل، والبرنامج الحكومي 2021-2026، فضلا عن توصيات النموذج التنموي الجديد التي جعلت من التشغيل إحدى الأولويات الوطنية.
وسيعمل مكتب الدراسات الذي سيفوز بالصفقة، بحسب دفتر التحملات، على تقييم مدى مساهمة الوكالة في تنفيذ السياسات العمومية الخاصة بالتشغيل، وقياس جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات، وتحليل مدى انسجام أهدافها مع الإمكانيات البشرية والمالية المتوفرة لديها.
كما ستخضع الخطة الاستراتيجية الحالية للوكالة “ANAPEC 4E 2022-2026” لتقييم دقيق يرصد مستوى تحقيق أهدافها، ويقارن النتائج المحققة بالمؤشرات المعلنة، مع اقتراح التعديلات الضرورية لتجاوز الاختلالات المسجلة. ولأول مرة، سيتم اعتماد أدوات تحليل استراتيجية عالمية من قبيل SWOT وPESTEL لتشخيص البيئة الداخلية والخارجية للوكالة، إضافة إلى مقارنة أدائها بمؤسسات مماثلة داخل المغرب وخارجه.
الوثيقة تنص كذلك على إخضاع أجهزة الحكامة داخل الوكالة لتقييم دقيق، يشمل مجلس الإدارة واللجان المتخصصة، مع فحص مدى احترام القوانين المنظمة، وعدد الاجتماعات المنعقدة، وكيفية اتخاذ القرارات، ونسبة تنفيذها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وسيتم أيضا تقييم أدوار أعضاء مجلس الإدارة، واللجان المتخصصة، وآليات التتبع والمراقبة الداخلية، ومدى انسجامها مع مدونة الحكامة الجديدة للمؤسسات العمومية.
ولم تستثن المهمة الجانب الرقمي، إذ سيخضع نظام المعلومات الخاص بالوكالة لعملية تقييم واسعة تشمل فعالية التطبيقات الرقمية، ولوحات القيادة، وجودة البيانات، ومستوى تبادل المعلومات مع الشركاء. كما سيجري افتحاص مدى احترام الوكالة لمقتضيات الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية، إضافة إلى تقييم درجة رقمنة الخدمات المقدمة للمواطنين ومدى انسجامها مع القوانين المتعلقة بتبسيط المساطر الإدارية.
وسيولي الخبراء اهتماماً خاصاً بمنظومة الموارد البشرية داخل الوكالة، من خلال تقييم سياسات التوظيف والترقية والتكوين المستمر، وتحليل توزيع الموظفين حسب الجهات والمؤهلات والخبرة، ورصد الخصاص في الكفاءات، إلى جانب تقييم نظام تدبير المسارات المهنية والتقييم السنوي. كما سيتم قياس مدى ملاءمة الهيكلة التنظيمية الحالية مع المهام المسندة للوكالة، ورصد مواطن القوة والضعف داخل الإدارة المركزية والشبكة الترابية.
وتظهر البيانات المالية المرفقة بطلب العروض أن الوكالة سجلت خلال سنتي 2023 و2024 رساميل ذاتية سالبة ونتائج مؤجلة سلبية، مقابل تحقيق نتائج صافية إيجابية بلغت حوالي 53.3 مليون درهم سنة 2023 و55.5 مليون درهم سنة 2024، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المستخدمين إلى أكثر من 205 ملايين درهم.
وتعكس هذه المؤشرات، بحسب الوثيقة، الحاجة إلى مراجعة النموذج الاقتصادي للوكالة وضمان استدامتها المالية على المدى المتوسط والبعيد. ولا ينتهي عمل مكتب الدراسات عند حدود التشخيص، بل سيكون مطالباً بإعداد تصور متكامل لإعادة التموقع الاستراتيجي للوكالة، يتضمن مقترحات عملية لإعادة الهيكلة، وتحسين الحكامة، وتطوير التنظيم الإداري، وتعزيز الأداء، وضمان الاستدامة المالية.
كما سيتعين عليه اقتراح الإجراءات القانونية والتنظيمية والمالية الكفيلة بتنزيل هذا الإصلاح، مع تحديد الأولويات، والآجال الزمنية، والجهات المكلفة بالتنفيذ، ومؤشرات قياس النتائج.
وفي هذا الإطار، ستجرى مشاورات مع مختلف الشركاء المؤسساتيين، من بينهم وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، ووزارة الاقتصاد والمالية، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمراكز الجهوية للاستثمار، والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى جانب باقي المتدخلين في منظومة التشغيل.
المصدر:
العمق