هبة بريس-إ.السملالي
القامات الإبداعية الوازنة لا تصنع صكوك اعترافها عبر بوابات الرضا السياسي، بل تنحتها من صخر التميز والابتكار وضمن هذه الطليعة يبرز المخرج أمين ناسور كأحد العقول الإستراتيجية التي هندست عودة الروح إلى جسد المسرح المغربي، مخرجاً إياه من نفق الركود الذي طال لسنوات، إلى آفاق التوهج والصدارة العربية.
لكن هذه الريادة، وبدلاً من أن تُحاط بأسوار التقدير والتحصين، جابهت ضريبة التميز الباهظة، حيث وجد المبدع نفسه فجأة في مرامى عاصفة سياسية هوجاء فجرتها تصريحات نيابية تحت قبة البرلمان، في مشهد افتقر إلى أدنى مقومات النقد الموضوعي الرصين، وبدا كأنه توظيف فج لملف الثقافة في أجندة حسابات انتخابية مبكرة.
ولأن المساس بالرموز المضيئة لا يصنع إلا تضامناً بوزن قيمتها، فقد قوبلت هذه الخرجة بانتفاضة نقدية عارمة لم تقتصر على محيط المخرج الضيق، بل امتدت لتشمل جبهة عريضة من الفاعلين الثقافيين والفنيين الذين استهجنوا هذا الخلط المعيب بين الحسابات السياسوية الضيقة والمساطر القانونية المنظمة للقطاع.
لقد أعاد هذا السجال تذكير الرأي العام بحقائق مؤسساتية واضحة، مفادها أن الآلية المسمّاة بـ”الدعم السينمائي” ليست هبة تُمنح اعتباطاً أو ريعاً يُوزع في الخفاء، بل هي منظومة مقوننة بدقة تحت مسمى “التسبيق على المداخيل”، تديرها لجان مستقلة من ذوي الاختصاص والكفاءة، مما يجعل من محاولات شخصنة هذه الدينامية واختزالها في خانة الامتياز الفردي تجنياً صارخاً يجافي المنطق الإداري والواقع المهني.
وما يبعث على التأمل والغرابة في آن معاً، أن تُصوب بنادق النقد الجائر نحو شخصية فنية عُرفت بنزاهتها المبدئية، ولم يرتبط اسمها يوماً بسباق مراكمة الثروات، أو شبهات استغلال النفوذ، أو أي ملف يمس بنقاء المرفق العام.
إن السيرة الباذخة لأمين ناسور تنطق بضد هذه الادعاءات؛ فالرجل الذي يتولى اليوم أمانة لجنة دعم الإنتاجات السينمائية، هو ذاته مهندس تلك “الثورة الهادئة” التي شهدتها الخشبة المغربية خلال العقد الأخير، والتي نفضت عن المسرح غبار العزلة، وأعادته بقوة إلى منصات التتويج الإقليمية والدولية بعد سنوات عجاف من الانكفاء والغياب.
لم تكن الجوائز الرفيعة التي حصدتها أعماله في محافل كبرى، من قبيل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وعواصم الثقافة في بغداد والشارقة، مجرد طفرة شخصية أو مجد ذاتي عابر، بل كانت بمثابة إعلان رسمي ودبلوماسية ثقافية أكدت عودة المسرح المغربي ليخاطب الوجدان الإنساني بلغة الكبار.
ومن هذا المنطلق المعرفي، يرى نقاد الفن ومؤرخوه أن أمين ناسور ليس مجرد اسم عابر في سجلات الإخراج، بل هو تجسيد لمدرسة تكوينية وتأطيرية متكاملة، ورؤية فلسفية تسعى لإعادة الاعتبار للفعل الإبداعي، ليس بوصفه ترفاً أو تزجية للوقت، بل باعتباره رافعة وجودية للتنمية الشاملة، وحصناً منيعاً لوعي المجتمع والارتقاء بذائقته الجمالية.
المصدر:
هبة بريس