نبّهت قراءات مسؤولين حكوميين وبرلمانيين مغاربة وأجانب، ومن منظمات دولية، السبت، إلى تحديات عديدة تواجه تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة الإفريقية “الزليكاف”؛ من بينها التفاوتات في البنيات التحتية واللوجستيك والأنظمة الجمركية، وكذا غياب التكامل.
وأوضحت هذه القراءات، التي قدّمت خلال الجلسة الخاصة بإفريقيا حول موضوع “منطقة التجارة الحرة الإفريقية وربط سلاسل القيمة الأورو-إفريقية.. نحو فضاء مندمج للإنتاج المشترك والاستثمار والصمود الاقتصادي” ضمن فعاليات اليوم الثاني من منتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج المنظمة من مجلس المستشارين والجمعية البرلمانية لبرلمان البحر الأبيض المتوسط يومي 19 و20 يونيو الجاري، أن مشاركة شمال إفريقيا في تكامل سلاسل القيمة بالقارة لا تزال “سطحية ومحدودة”.
عمر حجيرة، كاتب الدولة في التجارة الخارجية، قال إن “التوترات الجيوسياسية وتفكك سلاسل الإمداد العالمية” كلها “عوامل تعيد رسم ملامح الفضاء الاقتصادي الأورو-إفريقي”، معتبرا أنه “في ظل هذه المتغيرات لم يعد بناء فضاء أوروبي- إفريقي للإنتاج المشترك مجرد فرصة واعدة؛ بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحة”.
وفي هذا السياق، أوضح حجيرة، في مداخلته التي قدمها في الموعد سالف الذكر، أن الآفاق التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية “واعدة للغاية”، مبرزا أن “التنفيذ الفعلي للاتفاقيات سيؤدي بحلول سنة 2045 – حسب الخبراء – إلى رفع حجم التجارة البينية الإفريقية بنسبة 45 في المائة، أي ما يقارب 276 مليار دولار إضافية، علما أن المبادلات التجارية بين الدول الإفريقية لا تتجاوز اليوم 13 في المائة من إجمالي التجارة في القارة. كما يُنتظر أن ترتفع الصادرات الإفريقية بنسبة 7.3 في المائة، أي ما يعادل 246 مليار دولار”.
وأضاف كاتب الدولة في التجارة الخارجية: “تطوير سلاسل قيمة أوروبية- إفريقية متكاملة يتطلب ارتكازا جغرافيا ولوجستيا ومؤسساتيا قويا”، مؤكدا أن “المغرب يتوفر على مؤهلات للاضطلاع بدور محوري في هذا السياق”.
وأشار المسؤول الحكومي ذاته إلى الموقع الجغرافي للمملكة، وارتباطها “بعلاقات اقتصادية متميزة مع أوروبا (…)؛ فالمغرب يتوفر على 12 اتفاقية مع 100 دولة تمكنه من الولوج إلى أسواق تضم 3 مليارات من المستهلكين، ويظل متجذرا في عمق محيطه الإفريقي من خلال تعاون جنوب-جنوب نشط”.
مامادو ساتيغي دياكيتي، رئيس المجلس الأعلى للجماعات الترابية بجمهورية مالي، نبّه إلى تحديات أمام “زليكاف” يتعيّن “رفعها، وعلى وجه الخصوص المتعلقة بتأمين سلاسل التوريد والتنمية المستدامة كأساس للمرونة، والتحديات المرتبطة بالاستثمار والبنيات التحتية”.
وأبرز دياكيتي أن “دولا إفريقية، بينها مالي، وضعت، في السنوات الأخيرة، برامج سياسات عمومية لتعزيز الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية، ومع ذلك تظل النتائج دون مستوى التوقعات بسبب عدم كفاية تجميع المبادرات والاستثمارات على المستوى القاري”.
وسجل لحسن حداد، عضو مجلس المستشارين والخبير في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أن “نجاح ‘زليكاف’ يعتمد بشكل أقل على الاتفاقيات نفسها والمصادقات، وبشكل أكبر على التنفيذ”.
وأوضح حداد، في مداخلته، أن “خفض الرسوم الجمركية ليس سوى الخطوة الأولى، إذ تعد الأنظمة الجمركية الفعالة وتسهيل التجارة أمرا ضروريا. كما يجب معالجة العجز في البنية التحتية في مجالات النقل، واللوجستيك، والطاقة، والربط الرقمي”.
وأبرز الخبير في التنمية الاقتصادية والاجتماعية أن “الزليكاف تنطوي أيضا على أهمية جيوسياسية عميقة”، مبرزا أن “في ظل اقتصاد عالمي يتزايد تجزؤه ويتسم باضطرابات سلاسل الإمداد والمنافسة الاستراتيجية، يصبح للحجم أهمية كبيرة، حيث إن وجود سوق إفريقية أكثر تكاملا من شأنه أن يعزز السيادة الاقتصادية للقارة ومرونتها”.
بدوره، سجل شريف الجبالي، رئيس لجنة الشؤون الإفريقية في برلمان مصر، أن نظام الدفع بين الدول الإفريقية (نظام الدفع والتسوية لعموم إفريقيا PAPSS، الذي كان مفروضا أن يفعله بنك التصدير والاستيراد الإفريقي، حتى الآن لم يُفعّل)، لافتا كذلك إلى “التفاوت في مستوى التنمية الصناعية بين دول القارة”.
أما بانا إبراهيم، رئيس اللجنة الجيوسياسية للمجلس الاستشاري لإعادة التأسيس بجمهورية النيجر، فنبّه إلى أن “السوق بمفرده لا يخلق التصنيع”، مؤكدا أنه “دون طاقة، دون بنية تحتية، دون لوجستيك فعال، دون تمويل طويل المدى، دون كفاءات بشرية ودون مؤسسات صلبة، ستظل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية للأسف دون مستوى إمكاناتها”.
بريت راينر، نائب رئيس قسم شمال إفريقيا بصندوق النقد الدولي، لفت إلى وجود “فرصة حقيقية لشمال إفريقيا للمساعدة في بناء سلاسل قيمة ‘أورو-إفريقية’ أقوى، ليس للتجارة فحسب؛ بل للإنتاج المشترك، والاستثمار، والوظائف، والمرونة عبر هذه المناطق”.
واستدرك راينر، في مداخلته، أن “أنماط التجارة لا تزال ضيقة للغاية، وتتاجر شمال إفريقيا في الغالب مع أوروبا؛ بينما الروابط مع إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى محدودة”.
علاوة على ذلك، سجل نائب رئيس قسم شمال إفريقيا بصندوق النقد الدولي أن “مشاركة شمال إفريقيا في سلاسل القيمة لا تزال سطحية للغاية، حيث تحركها المواد الخام والسلع الأساسية، ولا يوجد تكامل كافٍ في شبكات الإنتاج التي تستخدم هذه المواد الخام لإنشاء سلع وسيطة وسلع نهائية وبناء قيمة مضافة أعلى”.
وأضاف المتدخل أن “بعض البلدان أحرزت، خلال العقد الماضي، تقدما؛ خصوصا المغرب وتونس. ولكن بشكل عام، لا تزال منطقة شمال إفريقيا تتخلف عن مناطق أخرى مثل دول مجلس التعاون الخليجي ودول الآسيان من حيث التكامل في سلاسل القيمة”.
وتابع: “حان الوقت لانتهاز الفرصة الآن؛ أوروبا بحاجة إلى طاقة أكثر أمانا ونظافة، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بحاجة إلى كهرباء موثوقة وبأسعار معقولة، حيث لا يزال الملايين في القارة يفتقرون إلى إمكانية الوصول إليها؛ بينما تمتلك شمال إفريقيا الهيدروكربونات وإمكانات استثنائية للطاقة المتجددة معا”.
واستخلص راينر من تحليل لصندوق النقد الدولي أن “شمال إفريقيا إذا قامت بخفض تعريفاتها الجمركية وحواجزها غير الجمركية تماشيا مع متوسط منطقة التجارة الحرة، فستشهد زيادة بنحو 10 في المائة في روابطها الخلفية؛ مما يعني زيادة بنسبة 10 في المائة في مشاركتها في سلاسل القيمة”.
المصدر:
هسبريس