آخر الأخبار

"لاسامير" تعيد إحياء النقاش حول التفويت للدولة و"التأميم المرحلي"

شارك

عاد الجدل المتعلق بمستقبل شركة “لاسامير” إلى الواجهة من جديد، في سياق تصويت الأغلبية بمجلس المستشارين ضد مقترح قانون يقضي بتفويت أصول الشركة لفائدة الدولة، وسط النقاش المرتبط بخيار “التأميم” لإعادة تشغيل المصفاة وإنقاذ قطاع تكرير المحروقات بالمغرب، في وقت ترى جهات أخرى أن الأمر يتعلق بتفويت مستحق يرتكز على آليات قانونية ومالية معقدة.

ويتمحور هذا الجدل حول إمكانية تفويت أصول الشركة إلى الدولة بدل تأميمها، استناداً إلى وضعيتها القانونية الحالية وتركيبة ديونها، وما يترتب على ذلك من نقاش أوسع حول السيادة الطاقية، وكلفة المحروقات، ودور الدولة في القطاعات الإستراتيجية المرتبطة بالأمن الاقتصادي الوطني.

“التفويت للدولة”

قال عبد الغني الراقي، الكاتب العام لـ”الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول”، إن النقاش الدائر حول شركة “لاسامير” لا يتعلق بالتأميم، بقدر ما يرتبط بطرحٍ بديل يقوم على تفويت أصول الشركة إلى الدولة، في إطار مقاربة قانونية ومالية تستحضر بنية المديونية وتركيبتها.

وأضاف الراقي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن ما يقارب 82 في المائة من ديون الشركة تعود إلى مؤسسات عمومية تابعة للدولة، ما يجعلها، بشكل مباشر أو غير مباشر، الدائن الأكبر، وهو ما يفتح المجال أمام آلية المقاصة، بحيث يُعاد تحويل جزء كبير من الحقوق المالية المستحقة للدولة إلى ملكية فعلية في أصول الشركة، باعتبار أن هذه الديون في نهاية المطاف هي أموال عمومية تعود للمغاربة.

وأوضح المتحدث ذاته أن الشركة مازالت معروضة للبيع بقرار قضائي، وقد سبق أن تقدّم عدد من المستثمرين بعروض لاقتنائها دون أن تُستكمل عملية التفويت إلى حدود الساعة، لتظل بذلك في وضع قانوني مفتوح على احتمالات متعددة؛ وفي هذا السياق فإن دخول الدولة كمقتنٍ محتمل يعني عملياً أنها لن تتحمل سوى تسوية النسبة المتبقية، المقدّرة بنحو 20 في المائة فقط، باعتبار أنها تملك أصلاً الجزء الأكبر من الحقوق المرتبطة بالديون.

وأكد الفاعل المدني ذاته أن هذا التصور لا يُعدّ تأميماً بالمعنى الكلاسيكي، موضحاً أن حساسية هذا المفهوم، وما ارتبط به تاريخياً في تجارب دولية مختلفة مثل التجربة السوفيتية، تجعل من غير الممكن اعتماده كخيار عام أو شامل، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، في السياق الراهن.

وشدد الراقي على أن المقترح المطروح يقوم على تفويت أصول الشركة إلى الدولة باعتباره خياراً عملياً وواقعياً، ينسجم مع طبيعة توزيع الحقوق، ويقلل من الكلفة المالية مقارنة بأي صيغة تأميم مباشر، مورداً أن الدولة لن تكون مطالبة سوى بإتمـام ملكيتها لنسبة محدودة من الأصول، في حين تبقى الغالبية مضمونة بحكم وضعها كدائن رئيسي.

وأضاف المتحدث أن الموقف لا يعارض الخوصصة في حد ذاتها، لكنه يرفض المساس بالمؤسسات ذات الطابع الإستراتيجي المرتبط بالسيادة الوطنية، وعلى رأسها السيادة الطاقية، معتبراً أن شركة “لاسامير” ليست مجرد منشأة صناعية أو تجارية، بل مكون أساسي في منظومة الأمن الطاقي للبلاد.

وذكّر الكاتب العام لـ”الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول” بالسياق التاريخي الذي أعقب الاستقلال، إذ جرى في إطار حكومة عبد الله إبراهيم تأسيس مؤسسات إستراتيجية كبرى مثل بنك المغرب وعدد من الشركات الوطنية، بهدف ترسيخ الاستقلال الاقتصادي عن فرنسا، مشيراً إلى أن استرجاع الدولة مثل هذه الأصول الحيوية اليوم يمكن أن يشكل رافعة لتعزيز السيادة الطاقية، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع كلفة المحروقات، بما في ذلك كلفة التكرير التي قد تبلغ نحو درهمين أو أكثر في كل لتر.

“التأميم المرحلي”

إدريس الفينة، خبير في الاقتصاد الوطني ورئيس مركز المستقبل للتحليلات الإستراتيجية، قال إن ملف المصفاة يندرج ضمن سياق اقتصادي وتاريخي معقد، ارتبط في البداية بمرحلة سابقة عرف فيها المغرب تأميم عدد من المنشآت الاقتصادية ذات الطابع الإستراتيجي، وذلك استجابة لاعتبارات تتعلق بضرورة تدخل الدولة في قطاعات حيوية في ظل محدودية أو غياب استثمارات القطاع الخاص القادرة على تحمل هذه الأعباء.

وأضاف الفينة، في تصريح لهسبريس، أن هذا التوجه تلاه تحول كبير نحو الخصخصة، في إطار موجة عالمية شملت العديد من الدول، فيما كان المغرب جزءاً من هذا المسار، ما أدى إلى خصخصة عدد من المؤسسات، ومن بينها شركة “لاسامير” لتكرير البترول، في سياق إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة المباشر في بعض الأنشطة الاقتصادية.

وأوضح المتحدث ذاته أن التجربة الدولية اليوم تعرف نوعاً من المراجعة لهذا النموذج، إذ إن عدة دول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، عادت إلى تعزيز حضور الدولة في تدبير أو الإشراف على بعض المنشآت الإستراتيجية، خاصة في القطاعات التي تبين أن القطاع الخاص لم ينجح في ضمان استقرارها أو استمرارها بالشكل المطلوب، وهو ما يعيد طرح سؤال التدخل العمومي في القطاعات الحيوية.

وتابع الخبير نفسه بأن حالة “لاسامير” تعكس الحاجة إلى مقاربة عملية تقوم في مرحلتها الأولى على تدخل الدولة لتأميمها من أجل إعادة تأهيل هذا الأصل الصناعي الإستراتيجي وعقلنة تدبيره وإصلاحه، مع غياب فاعل خاص قادر على إعادة تشغيله وفق شروط اقتصادية سليمة، على أن يتم لاحقاً اعتماد مقاربة تدريجية لفتح رأسماله أمام القطاع الخاص بشكل جزئي، بما يتيح تحسين الأداء وضمان النجاعة.

ولدى سؤاله هل يمكن الحديث عن خطوة مماثلة في ظل وجود مسطرة قضائية جارية في الوقت الحالي؟ أكد الفينة أن هذا الملف يظل مرتبطاً أيضاً بإشكالات قانونية، ما دام معروضاً على القضاء وهيئات التحكيم، الأمر الذي يستدعي التدقيق في الالتزامات التعاقدية التي ربطت الدولة بالجهة المستثمرة، والتحقق من مدى احترامها بنود العقد، على اعتبار أن جوهر الإشكال يكمن في تنفيذ تلك الالتزامات وتداعيات الإخلال بها على مستقبل هذه المنشأة الإستراتيجية.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا