أكد تقرير نشره “معهد السياسات المستدامة”، التابع للمنتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية (OMFIF)، أن “المغرب يختلف عن العديد من قصص الاستثمار الأخضر الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ في حين ينبني النموذج الخليجي إلى حد كبير على الميزانيات العمومية السيادية، وضخ رؤوس الأموال الضخمة، والتنويع الذي تقوده الدولة، يرتكز النموذج المغربي أكثر على جغرافيا التجارة، والتنافسية التصديرية، والسعي إلى الارتقاء في سلسلة القيمة”.
وذكر التقرير أن “النقاش حول الاستثمار المناخي تركز لأعوام طويلة على الولايات المتحدة وأوروبا؛ ولكن إذا أصبحت الولايات المتحدة بيئة أقل قابلية للتنبؤ بها لرؤوس الأموال الخضراء طويلة الأجل، فإن المستثمرين سيتطلعون بشكل متزايد إلى أماكن أخرى بحثا عن قصص نمو موثوقة. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قد يوجه ذلك مزيدا من الاهتمام ليس فقط نحو منطقة الخليج، بخططها الانتقالية الغنية برؤوس الأموال؛ بل وأيضا نحو وجهة المغرب، على وجه الخصوص”.
وتابع المصدر ذاته أن “منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليست بيئة استثمارية موحدة، ولا تسير في اتجاه واحد؛ إذ تتميز بفوارق حادة في القدرات المالية والقوة المؤسسية والتعرض للصدمات الخارجية”، مؤكدا أن “المرحلة المقبلة من الاستثمارات ستفضل الدول التي تجمع بين إمكانات الطاقة المتجددة، والاستراتيجية الصناعية، والوصول التجاري، ومصداقية السياسات. وبناء على ذلك، يبرز المغرب كنموذج رائد في هذا الصدد”.
وشدد التقرير ذاته على أن “نقطة الانطلاق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا صعبة للغاية، إذ لا تزال المنطقة الأكثر شحا في المياه في العالم، في وقت تساعد فيه التجارة تخفيف بعض هذا التعرض للصدمات من خلال السماح للدول باستيراد السلع الأساسية وتعويض النقص في الإنتاج المحلي. ومع ذلك، فإن التجارة تستورد الهشاشة أيضا، لا سيما عندما يرتبط الاعتماد على الغذاء واضطرابات الشحن والحساسية السياسية ارتباطا وثيقا. وفي هذه المنطقة، لا تنفصل المرونة عن الاستراتيجية الاقتصادية، بل هي جزء أساسي منها”.
وأضاف أن “المنطقة تقع على بعض من أهم الطرق التجارية في العالم، إذ أظهرت الاضطرابات في البحر الأحمر وقناة السويس، وعدم الاستقرار الأوسع نطاقا الذي يؤثر على مضيق هرمز، مدى سرعة ارتداد الصدمات الجيوسياسية على تكاليف الشحن والتضخم وأسواق الطاقة والموازين الخارجية. بالنسبة للمستثمرين، يطرح هذا سؤالا واضحا: أين تُبنى المرونة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟”.
وشدد تقرير “معهد السياسات المستدامة” التابع للمنتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية (OMFIF) على أن “المغرب يقدم إجابة واضحة في هذا الصدد؛ فهو يجمع بين الضغوط المناخية ومحاولة ترسيخ مكانته كمنصة للصناعة والتجارة الخضراء، حيث تتمحور جاذبيته حول موقعه الجغرافي الذي يمكنه من الوصول إلى مختلف الأسواق”.
وأبرز التقرير عينه أن “منطقة شمال إفريقيا لا تزال مرتبطة ارتباطا وثيقا بأوروبا، وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن أوروبا لم تعد مجرد سوق مستهدفة، بل أصبحت بشكل متزايد جهة تنظيمية للتنافسية من خلال معايير الاستدامة، ومتطلبات الإفصاح، والتدابير التجارية المرتبطة بالمناخ مثل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)”.
في هذا الصدد، أكد المستند سالف الذكر أن “هذا التحول يخلق ضغوطا، ولكنه يتيح في المقابل فرصا، خاصة بالنسبة للبلدان المدمجة في سلاسل القيمة الأوروبية التي أصبحت لديها حوافز أقوى لإزالة الكربون من الإنتاج وتحسين نظم الطاقة وجذب الاستثمارات إلى التصنيع منخفض الكربون. وبهذا المعنى، فإن توجّه المغرب نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لا يتعلق بالطموح المناخي فحسب؛ بل يتعلق أيضا بالحفاظ على التنافسية التجارية وتطويرها في عالم أصبح فيه دخول الأسواق مشروطا بالمصداقية المناخية”.
وخلص المصدر ذاته إلى أن “المغرب من فئة الاقتصاديات التي تحاول تحويل الضغوط إلى أداة لإعادة التموضع الاقتصادي، إذ يعد واحدا من أوضح الأمثلة على دولة تحاول استخدام الضغط المناخي والتعرض التجاري والجغرافيا كأساس للتكيف الاستراتيجي بدلا من الاستسلام للهشاشة السلبية”، مسجلا أنه “بالنسبة للمستثمرين الذين يتطلعون إلى ما وراء البيئة المناخية الأمريكية الأكثر صعوبة، أصبحت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر جاذبية على وجه التحديد بسبب تقارب السياسات المناخية والتجارية والصناعية. وسيكون الفائزون القادمون في المنطقة هم أولئك الذين يمكنهم ترجمة الطموح الأخضر إلى مصداقية صناعية. وقد تكون منطقة شمال إفريقيا، بقيادة المغرب، من أولى البيئات التي يوضع فيها هذا التوجه قيد الاختبار الفعلي”.
المصدر:
هسبريس