آخر الأخبار

تفوق الفتيات في المدرسة المغربية.. فجوة تتسع بالأرقام

شارك

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

لم يعد تفوق الفتيات في المنظومة التعليمية المغربية مجرد انطباع متداول أو نتيجة ظرفية مرتبطة بموسم الامتحانات، بل أصبح معطى إحصائيا ثابتا تكشفه أرقام وزارة التربية الوطنية سنة بعد أخرى، بما يعكس تحولا عميقا في بنية المدرسة المغربية وعلاقتها بالجنسين.

ففي نتائج البكالوريا لسنة 2026، بلغ عدد الناجحين في الدورة العادية حوالي 262.442 تلميذا وتلميذة بنسبة نجاح عامة وصلت إلى 64,8% من مجموع المترشحين الممدرسين، لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو الفجوة الواضحة بين الجنسين، حيث سجلت الإناث نسبة نجاح بلغت 68,7% مقابل 60% لدى الذكور، أي بفارق يقارب 9 نقاط مئوية كاملة، وهو فارق يعكس اتساعا تدريجيا مقارنة بالسنوات السابقة.

وتظهر المعطيات الرسمية أن الفتيات يشكلن حوالي 59% من مجموع الناجحين، أي ما يعادل أكثر من 154 ألف ناجحة مقابل أقلية من الذكور ضمن نفس الفئة، وهو ما يعكس هيمنة واضحة للإناث ليس فقط في النجاح، بل أيضا في معدلات الاستمرار والتميز الدراسي.

عند العودة إلى سنة 2025، تكشف الأرقام عن نسبة نجاح إجمالية في حدود حوالي 60%، مع تسجيل تفوق أقل حدة للفتيات (بفارق يقارب 8 نقاط مئوية)، ما يعني أن الفجوة بين الجنسين لم تعد ثابتة، بل في اتجاه توسع طفيف لصالح الإناث. أما في 2024، فقد كانت نسبة النجاح في حدود 58% إلى 59%، مع تسجيل نفس النمط، عنوانه تفوق الفتيات بنسبة تقارب 70% مقابل حوالي 60% للذكور، وهو ما يؤكد أن الظاهرة أصبحت بنيوية وليست استثنائية.

هذه الأرقام المتراكمة تكشف مسارا واضحا خلال ثلاث سنوات فقط، يقابله ارتفاع تدريجي في نسب النجاح العامة، مقابل استمرار فجوة شبه مستقرة لصالح الفتيات تتراوح بين 8 و10 نقاط مئوية، وهي فجوة لم تعد مرتبطة بمرحلة دراسية محددة، بل أصبحت تشمل مختلف المستويات التعليمية.

وتشير معطيات مرتبطة بمنظومة التعليم إلى أن هذا التفوق النسائي لا يقتصر على نسب النجاح فقط، بل يمتد إلى جودة النتائج، حيث تستحوذ الفتيات على نسب مرتفعة من الميزات (حسن، حسن جدا، ومتفوق جدا)، إضافة إلى حضور قوي في الشعب العلمية والتقنية التي كانت تاريخيا أكثر ارتباطا بالذكور.

في المقابل، تسجل الدراسات التربوية داخل المغرب ارتفاعا في نسب الهدر المدرسي في صفوف الذكور، خصوصا في السلك الإعدادي، حيث تشير تقديرات مؤسسات بحثية وطنية إلى أن الانقطاع المبكر يمس الذكور بنسبة أعلى بشكل ملحوظ، نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية، من بينها الالتحاق المبكر بسوق الشغل أو ضعف الارتباط بالمسار الدراسي.

كما يربط مختصون هذا التفوق النسائي بمجموعة من العوامل السلوكية والبيداغوجية، من أبرزها أن الفتيات أكثر التزاما بالمواظبة والانضباط داخل الفصول الدراسية، وأكثر استجابة لنمط التقييم المعتمد على المتابعة المستمرة والامتحانات الكتابية، في حين يعاني جزء من الذكور من تراجع الدافعية وضعف الالتزام الدراسي.

لكن التحليل الأعمق لهذه الظاهرة يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بقدرات فردية، بل بطبيعة النموذج التعليمي نفسه، الذي ما زال يعتمد بشكل كبير على الحفظ والتلقين، وهو نمط يبدو أكثر ملاءمة للمهارات التي تطورها الفتيات في الغالب، مقابل ضعف إدماج أساليب التعلم التطبيقي والحركي التي قد تناسب فئات من التلاميذ الذكور.

ورغم هذا التفوق المؤنث الواضح، تبرز مفارقة لافتة عنوانها النجاح الدراسي للفتيات لا ينعكس دائما بنفس القوة داخل سوق الشغل، ما يطرح سؤالًا أوسع حول جدوى هذا التفوق إذا لم يتحول إلى تمكين اقتصادي ومهني متكافئ.

فأرقام 2026 تكشف وما قبلها أن المدرسة المغربية تعيش تحولا هادئا لكنه عميق، تقوده الفتيات بوضوح، غير أن هذا النجاح يفتح في المقابل نقاشا أكثر حساسية، كيف يمكن إعادة التوازن داخل المنظومة التعليمية، بحيث لا يتحول التفوق النسائي إلى فجوة دائمة، ولا يتحول تعثر الذكور إلى أزمة هيكلية؟.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا