آخر الأخبار

زعيم البوليساريو يهاجم الموقف الإسباني ويتجاهل مستجدات ملف الصحراء

شارك

هيمن الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية على الحوار الذي أجرته صحيفة “ABC” الإسبانية مع زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي، في وقت غابت فيه أبرز التطورات المرتبطة بالمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة لتسوية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء.

واقتصر الحوار على تناول الشق المرتبط بالعلاقات بين مدريد وجبهة البوليساريو، مع تركيز واضح على انتقاد التحول الذي شهدته السياسة الإسبانية منذ إعلان حكومة بيدرو سانشيز دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، دون التطرق إلى مستجدات العملية السياسية، بما في ذلك جولات المشاورات المرتقبة تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 2797، والمبادرة المغربية المفصلة لتسوية النزاع، فضلا عن التحركات الدبلوماسية الأمريكية والأممية الأخيرة.

وخصصت الصحيفة حيزا واسعا للأسئلة المرتبطة بمواقف الحكومة الإسبانية من النزاع، على خلفية الجدل الذي أثاره مقتل عضو أمانة جبهة البوليساريو قائد أحد ألوية احتياطها، لحبيب محمد عبد العزيز، شرق الجدار الأمني.

في هذا السياق، انتقد إبراهيم غالي ما وصفه بـ “ازدواجية المعايير” في تعاطي مدريد مع الأحداث المرتبطة بالنزاع، معتبرا أن إدانة الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة مقابل عدم التفاعل مع مقتل قيادي عسكري من الجبهة يعكس، بحسب تعبيره، تغيرا في مقاربة الحكومة الإسبانية.

واتهم زعيم البوليساريو الحكومة الإسبانية بالتخلي عن دورها التقليدي في الملف، موردا أن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي يمثل “خطأ سياسيا”، كما سعى إلى الربط بين تحول الموقف الإسباني وقضية برنامج “بيغاسوس”، في إشارة إلى الاتهامات التي سبق أن أثيرت داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية بشأن احتمال تأثر بعض المسؤولين الحكوميين لعمليات تجسس إلكتروني.

وفي مقابل الانتقادات الموجهة إلى مدريد، جدد إبراهيم غالي تمسك جبهة البوليساريو بخيار “تقرير المصير”، مبررا قرار الجبهة إعلان انتهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار سنة 2020 بتقديمها طرفا متضررا من التطورات الميدانية والسياسية، رغم التحولات التي شهدها الملف على مستوى مواقف عدد من القوى الدولية المؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تواصل دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا جديا وواقعيا لتسوية النزاع.

كما تناول الحوار الأوضاع الإنسانية بمخيمات تندوف، حيث أقر زعيم البوليساريو بتراجع حجم المساعدات الدولية الموجهة للمخيمات، مشيدا بدور المنظمات الإسبانية في تقديم الدعم الإنساني، غير أن حديثه عن الوضع الإنساني جاء، وفق متابعين، محاولة لإعادة تسليط الضوء على أوضاع المخيمات واستقطاب مزيد من الاهتمام الدولي، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إحصاء سكان المخيمات وتعزيز آليات مراقبة توزيع المساعدات الإنسانية.

مأزق انفصالي

تعليقا على التصريحات التي أدلى بها الأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، للصحيفة الإسبانية، يرى الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام مهتم بنزاع الصحراء المغربية، أن الخطاب الذي تبناه زعيم الجبهة يعكس محاولة لإعادة إنتاج الأطروحات التقليدية للبوليساريو في سياق دولي وإقليمي يشهد تحولات متسارعة تصب في صالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

وأوضح بوسعيد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن تركيز إبراهيم غالي على انتقاد الموقف الإسباني الداعم للمبادرة المغربية يندرج ضمن مساعي الجبهة لممارسة ضغوط سياسية وإعلامية على مدريد، بعد أن شكل التحول الذي أعلنته الحكومة الإسبانية سنة 2022 نقطة مفصلية في مسار النزاع، بالنظر إلى الثقل السياسي والدبلوماسي لإسبانيا باعتبارها فاعلا تاريخيا في الملف.

وذكر المحلل السياسي ذاته أن المقابلة أغفلت بشكل لافت مستجدات المسار الأممي، خاصة ما يتعلق بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، الذي جدد التأكيد على أولوية التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ومستدام قائم على التوافق، مع الإشادة بالزخم الدولي المتنامي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها إطارا جديا وذا مصداقية وقابلا للتطبيق.

ونبه المتحدث إلى أن استمرار قيادة البوليساريو في التمسك بخيار الاستفتاء يتجاهل التحولات التي شهدها الملف داخل أروقة الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن هذا الطرح تجاوزته الدينامية الأممية منذ تعذر تنفيذ مخطط التسوية بسبب الخلافات الجوهرية المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة ومعايير المشاركة.

وشرح أن “الحديث المتكرر عن استمرار الحرب وتكثيف العمليات العسكرية لا ينسجم مع المعطيات الميدانية الحالية؛ إذ إن ميزان القوى على الأرض حُسم بشكل واضح لصالح المملكة المغربية، بفضل تفوقها الدفاعي والتكنولوجي، ولا سيما اعتمادها منظومات متطورة للمراقبة والرصد والطائرات المسيرة، ما حد بشكل كبير من قدرة البوليساريو على تنفيذ عمليات نوعية مؤثرة”.

وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن محاولة الربط بين الموقف الإسباني الداعم للحكم الذاتي وقضية برنامج “بيغاسوس” تندرج ضمن خطاب سياسي يفتقر إلى الأدلة الملموسة، ويهدف أساسا إلى التشكيك في خلفيات التحول الذي عرفته الدبلوماسية الإسبانية، في وقت باتت فيه عدة قوى دولية كبرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة، تنظر إلى المبادرة المغربية باعتبارها الأرضية الأكثر واقعية لتسوية النزاع.

وأكد المصرح ذاته أن الحديث عن الأوضاع الإنسانية بمخيمات تندوف لا ينبغي أن يحجب النقاش حول الإشكالات البنيوية المرتبطة بتدبير المساعدات الإنسانية وغياب إحصاء رسمي لسكان المخيمات، وهي مطالب ظلت منظمات وهيئات دولية تدعو إلى الاستجابة لها من أجل تعزيز الشفافية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.

وخلص الشيخ بوسعيد إلى أن خطاب إبراهيم غالي يجسد حالة من الانفصال عن التحولات الجيو-سياسية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، مشددا على أن الدينامية الدولية الراهنة تتجه نحو تعزيز الاعتراف بوجاهة المقترح المغربي، وهو ما يتجلى في اتساع دائرة الدعم الدولي للمبادرة، وافتتاح عدد متزايد من القنصليات العامة بمدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تراجع عدد الدول المعترفة بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، مما يؤشر على ترسخ مقاربة الحل السياسي الواقعي تحت السيادة المغربية.

استحقاق سياسي

من جانبه، قال سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، إن مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية يشهد، في ظل التحولات الجيو-سياسية الدولية المتسارعة، انتقالا واضحا من مرحلة تدبير الأزمة وتأجيل الحسم إلى مرحلة هندسة الحل وفق مقاربة أممية أكثر وضوحا، ترتكز على التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم وقائم على التوافق، وتتصدر فيه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية وقابلية للتنفيذ.

ولفت بوشاكوك إلى أن “قيادة جبهة البوليساريو ما زالت تراهن على استثمار الزمن السياسي من خلال المناورة وإعادة تدوير الأطروحات ذاتها، رغم التغيرات العميقة التي عرفها الملف على المستويين الدولي والإقليمي، وما رافقها من اتساع دائرة الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي”.

وأوضح الباحث نفسه، ضمن تصريح لهسبريس، أن تركيز جبهة البوليساريو على مهاجمة الموقف الإسباني يعكس حجم الارتباك الذي أحدثه التحول الذي شهدته السياسة الخارجية لمدريد منذ إعلان دعمها للمبادرة المغربية سنة 2022، موردا أن الجبهة تنظر إلى هذا الموقف باعتباره انتكاسة دبلوماسية كبرى، وتحاول توظيف خطاب المظلومية لإعادة استقطاب التعاطف السياسي والإعلامي، خصوصا في ظل اعتبارها الموقف الإسباني بمثابة التخلي عن أطروحتها.

وعن استمرار الجبهة في التمسك بخيار الاستفتاء، أكد بوشاكوك أن هذا الطرح لم يعد ينسجم مع الدينامية الأممية الراهنة، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة انتقلت عمليا إلى البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق بشأنه، بعيدا عن المقاربات التي أثبتت محدوديتها على مدى عقود.

كما استحضر المصرح لهسبريس حالة الاحتقان المتنامية داخل مخيمات تندوف، مبرزا أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، إلى جانب تراجع المساعدات الإنسانية، أسهمت في بروز أصوات من داخل المخيمات تطالب بمحاسبة القيادة وتحملها مسؤولية استمرار حالة الجمود واستغلال معاناة السكان لخدمة أجندات سياسية ضيقة.

في هذا الصدد، سجل سعيد بوشاكوك أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 يشكل محطة مفصلية في مسار النزاع، لكونه يعكس الإرادة الدولية المتزايدة للدفع نحو تسوية نهائية تحت إشراف الأمم المتحدة وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يؤكد تراجع أطروحة الانفصال لصالح مقاربة الحل السياسي الواقعي القائم على مبادرة الحكم الذاتي.

وأجمل المحلل السياسي بالقول إن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم تفرض على جبهة البوليساريو مراجعة حساباتها السياسية، لأن موازين القوى الدولية لم تعد تُبنى على الشعارات الإيديولوجية، بل على المصالح الاستراتيجية والواقعية السياسية، وهي معطيات تجعل من استمرار الرهان على أطروحات متجاوزة خيارا يزيد من تعميق عزلة الجبهة ويؤجل اندماج المنطقة في ديناميات التنمية والاستقرار.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا