آخر الأخبار

بيانات وطنية تكشف استمرار الأسرة حاضنة أساسية للمسنين المغاربة

شارك

بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بشأن الإساءة للمسنين، تطرح تساؤلات جوهرية داخل المجتمع المغربي حول هذه الفئة التي طالما حظيت برمزية ومكانة كبيرة داخل الأسر ويسميها كثيرون “كنز الدار”، استنادا إلى مرجعيات أخلاقية ودينية متأصلة تستنكر التخلي عن المسنين أو إهمالهم أو إيداعهم في دور الرعاية، بل وتربط هذا الأمر بـ”العار الاجتماعي” وما إن كانت هذه القيم ما زالت صامدة أم إنها بدأت تتآكل في صمت تحت وطأة التحولات الصامتة.

بلغة الأرقام، كشفت نتائج “البحث الوطني حول العائلة”، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط مؤخرا، أن الأسر ما زالت تشكل الإطار الأساسي لحماية المسنين بالمغرب، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن أكثر من 90 في المائة من المسنين صرحوا بأنهم يشعرون بالأمان داخل أسرهم، فيما أفاد أكثر من 89 في المائة بأنهم يحظون بالاحترام داخل العائلات.

في سياق ذي صلة، أظهرت أرقام البحث ذاته أن حوالي 9 في المائة فقط من المسنين بالمغرب صرحوا بأن مداخيلهم تغطي احتياجاتهم الأساسية، الشيء الذي يضطر أكثر من 64 في المائة من النشطين منهم إلى الاستمرار في الاشتغال حتى بعد بلوغ سن الستين فما فوق.

قيم وحالات

تعليقا على هذا الموضوع، قال محمد حبيب، أخصائي نفسي واجتماعي، إن “علاقة القيم والثقافة المغربية بفئة المسنين هي علاقة وطيدة وممتدة، تتجلى أساسا في قيم بر الأجداد والوالدين، لا سيما مع تقدمهم في السن. وتستند هذه العلاقة إلى ثقافة مجتمعية مغربية مبنية في أصلها على التضامن والتآزر، وتؤطرها مرجعية دينية تحث على احترام الكبير. ومن هذا المنطلق، ينظر المغاربة بطبيعتهم وبشكل تلقائي إلى كبار السن على أنهم كنز البيت وبركته”.

وأضاف حبيب، في تصريح لهسبريس، أن “الواقع يشهد بعض الحالات الاستثنائية الصادمة التي يندى لها الجبين، المتمثلة في التخلي عن كبار السن وإيداعهم دور الرعاية الاجتماعية، أو تركهم بلا مأوى في الشوارع. هذا السلوك يعد مشينا ودخيلا على المجتمع المغربي، ولا يعكس قيمه أو شيمه”، مبرزا أن “أسباب هذه الظاهرة لا تعود دائما إلى عوامل اقتصادية أو مادية، بل إن هناك أبناء وبنات من أعيان المجتمع ومن ميسوري الحال يتخلون عن آبائهم نظرا لعدم قدرتهم على توفير التكفل العائلي أو الرعاية المباشرة لهم، مما يدفعهم لإرسالهم إلى هذه المؤسسات. وللأسف، تشهد هذه الظاهرة تناميا ملحوظا، وهو ما يفسر انتشار دور الرعاية الاجتماعية في مختلف المدن المغربية، حيث لا تكاد تخلو مدينة من مؤسسة أو اثنتين أو ثلاث، مما يؤشر على انكسار حلقة جوهرية من حلقات التضامن المجتمعي مع كبار السن”.

وتابع الأخصائي النفسي والاجتماعي بأن “الإشكال ليس ماديا دائما؛ ذلك أن هناك حالات لمسنين فضلوا التوجه إلى مراكز الرعاية الاجتماعية طوعا لعدم قدرتهم على التعايش مع زوجات أبنائهم أو أزواج بناتهم في بيت واحد”، مبرزا أن “الإشكال اجتماعي بالأساس، خاصة مع وجود آباء وأمهات باتوا يعتبرون مؤسسات الرعاية الاجتماعية بيتهم الحقيقي الذي يؤويهم، ويمنحهم الدفء العائلي والعاطفي البديل رفقة أقرانهم من كبار السن الذين يقاسمونهم العمر والظروف ذاتها”.

تحولات ونمطية

أوضحت خلود السباعي، أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن “التحولات الراهنة قد أحدثت تغييرا عميقا في العلاقات الاجتماعية وبنية الأسرة بصفة عامة، وهو ما انعكس بشكل مباشر وحتمي على واقع المسنين وطبيعة التعامل معهم. وتتجلى أبرز هذه التحولات في الطفرة الديموغرافية المتمثلة في ارتفاع نسبة كبار السن مقارنة بالماضي، التي تزامنت مع تراجع التضامن الأسري وتقلص دور العائلة الممتدة التي كانت تشكل الحاضنة الأساسية والملجأ الآمن لهم في السابق”.

وأكدت الأستاذة الجامعية ذاتها، في تصريح لهسبريس، أن “مسألة الرعاية أصبحت تطرح إشكالا كبيرا في الوقت الراهن؛ فبينما كانت مسؤولية الاهتمام بالمسنين ترتبط تاريخيا بالنساء، فإن خروج المرأة للعمل وتغير ظروفها الحياتية أفرزا سؤالا ملحا حول من سيتولى هذه المهمة اليوم. ورغم أن الشباب والمجتمع المعاصر لا يزالون يستشعرون هذا الواجب الإنساني والأخلاقي، إلا أن الإكراهات الواقعية، مثل طبيعة السكن المعاصر، وظروف العمل، وخروج النساء للوظيفة، فضلا عن تراجع معدلات الإنجاب وقلة عدد الأبناء التي جعلت عبء الرعاية يسقط على عاتق ابن أو ابنة واحدة، أصبحت تعرقل قدرة الأسر على تأدية هذا الواجب كما ينبغي”.

وأشارت إلى “وجود إكراه آخر يمس القيمة الرمزية للمسن، يتعلق بالتطور المعرفي المتسارع؛ فبعد أن كان كبار السن يمثلون مرجعية أساسية في المجتمع بفضل خبراتهم وتجاربهم الحياتية، تغيرت اليوم المرجعيات العلمية والمعرفية، وأصبح الآباء أنفسهم يستنجدون بالأبناء لاكتساب المعارف الحديثة، لا سيما الرقمية منها، مما أدى إلى تراجع تلك المكانة الاعتبارية التي كانوا يحظون بها. وهي أزمة حقيقية تواجه كبار السن في ظل التزايد المستمر لأعدادهم”.

وخلصت خلود السباعي إلى أن “هذا الواقع يفرض على السياسات الاجتماعية والمؤسسات الحكومية التدخل العاجل لترقب هذه التغيرات وتدبيرها بحكمة”، داعية إلى “تغيير النظرة النمطية والمفاهيم السائدة حول ‘دور العجزة’ والابتعاد عن ربطها بالإهمال والوصم الاجتماعي، مع العمل على إعادة النظر فيها وتحويلها إلى ‘دور للمسنين’ تكون بمثابة مؤسسات محترمة ترعاها الدولة وتُدار وفق برامج مدروسة، مع الحرص على تكوين أخصائيين ومساعدين اجتماعيين مؤهلين في مختلف المجالات لتقديم رعاية تليق بهذه الفئة”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا