في قلب منطقة سكورة العريقة بإقليم ورزازات، وتحديدا بدوار “أولاد مسعود أمزورو”، تتواصل فصول واحدة من أطول وأعقد المعارك العقارية وأكثرها إثارة في المنطقة. نزاع عائلي مرير على التركة، يمتد لأزيد من ربع قرن، ما يزال يرخي بظلاله الثقيلة على العلاقات الأسرية، ويضع آليات تفويت العقارات العرفية تحت مجهر الرقابة القضائية الصارمة، حول إرث عقاري شاسع خلفه المورث الهالك.
وتعود الجذور الأولى لهذا الملف الساخن إلى تاريخ 15 غشت 2001؛ فبعد أشهر قليلة من وفاة الأب سنة 1998، رفض عبد الغني مبتهج استمرار الوضع القائم، فتقدم أصالة عن نفسه ونيابة عن شقيقتيه مليكة ولطيفة، بمقال افتتاحي أمام المحكمة الابتدائية بورزازات. وكانت المطالب واضحة ومسنودة بـ”رسم إحصاء رسمي” يحصر تركة والدهم في أزيد من 14 عقارا وحقلا فلاحيا موزعة بالمنطقة، وتتجلى في إنهاء حالة الشياع وإجراء قسمة عينية عادلة تضمن لكل ذي حق حقه الشرعي.
في المقابل، تحصن الطرف الآخر من العائلة بترسانة من العقود والأشرية العرفية و”إشهادات تسليم” يزعمون أنها صادرة عن الموروث قيد حياته لإخراج عقارات حيوية من التركة، وهو ما فجّر مواجهة قانونية حامية الوطيس حول حجية هذه الوثائق.
وفي هذا السياق، تؤكد إحدى المتضررات من الملف أن جوهر النزاع لا يقتصر على العقارات الواردة في رسم الإحصاء، بل يمتد، بحسب روايتها، إلى ما يقارب 30عقارا مختلفا. وقالت في تصريح لجريدة “العمق” إن الأسرة لا تطالب سوى بإخضاع جميع الرسوم والعقود المتنازع بشأنها للتدقيق القضائي والتأكد من مدى صحتها.
وأضافت المتضررة أن بعض الوثائق التي يستند إليها الطرف الآخر ما تزال محل نزاع بين الأطراف المعنية، معتبرة أن الحسم في مدى حجيتها وصحتها يبقى من اختصاص القضاء، مضيفة أن مطلب العائلة يتمثل في مواصلة سلوك المساطر القانونية المتاحة خارج ورزازات للوصول إلى تسوية نهائية للنزاع، مؤكدة أن الورثة يتوفرون، على وثائق وحجج يرون أنها تدعم موقفهم في هذا الملف الذي ظل معروضا على أنظار القضاء لسنوات طويلة.
وكان المسار القضائي للملف أشبه بماراثون مضن؛ فبعد حكم ابتدائي صادر في 29 يناير 2003 يصادق على مشروع قسمة الخبير عبد العزيز الفيلالي مع استبعاد بعض الأملاك، دخلت القضية نفق الطعون والاستئنافات المتبادلة. هذا الانسداد تطلب تدخل محكمة النقض بالرباط، والتي أصدرت قرارات متواترة شكلت “زلزالا قانونيا” فكك حجج الأطراف، بدءا بقرار سنة 2013 الذي شكل منعطفا حاسما بنقضه لقرار استئنافي سابق رفض دعوى القسمة، حيث أرست المحكمة قاعدة صارمة تفيد بأن رسم الإحصاء حجة بين الورثة فيما حصره ما لم يثبت العكس بحجة قانونية قاطعة.
وتبعه القرار رقم 8/573 الصادر سنة 2015، والذي وجه ضربة قوية لـ”إشهادات التسليم العرفية”، مؤكدا أن التمسك بها لا يكفي لترتيب آثار قانونية إذا كانت محل نزاع ولم تخضع لتقييم قضائي سليم، وصولا إلى القرار رقم 516 لسنة 2018 الذي انتقدت فيه محكمة النقض استئنافية ورزازات لاستثنائها عقارات فلاحية دون النزول لمعاينتها، وأمرت على إثره بإعادة فتح الملف ميدانيا.
وتنفيذا لتوجيهات محكمة النقض، انتقلت هيئة الحكم بمحكمة الاستئناف بورزازات يوم 25 مارس 2021 إلى دوار أولاد مسعود لإجراء المعاينة الميدانية التي كشفت، وفق محاضر الملف، وجود تباينات بين بعض المعطيات الواردة في الوثائق والواقع الميداني.
وتبين للمحكمة أن أطرافا يتصرفون في أراض فلاحية مشهورة بالمنطقة مثل “جنان العلم” و”أراضي آيت عبد السلام” دون التوفر على سندات ملكية رسمية واضحة. وخلال هذه الجلسة الميدانية، واجههم عبد الغني مبتهج بتأكيده أن والده هو من كان يستغل هذه الأملاك قيد حياته، وأن الوثائق العرفية لا تعكس حقيقة الوضعية العقارية، لتسارع المحكمة في 15 دجنبر 2021 إلى إصدار قرار تمهيدي يأمر بخبرة عقارية جديدة تضمن حقوق الجميع وتنهي هذا الوضع.
وتقول المتضررة إن عددا من أفراد العائلة سبق أن أدلوا بشهادات أمام القضاء تتحدث، بحسب روايتها، عن وجود معطيات متناقضة في بعض الوثائق موضوع النزاع. كما أكدت أن الأسرة حصلت على وثائق ومعطيات إدارية ترى أنها تكشف اختلافات في تواريخ ومعطيات مرتبطة ببعض الرسوم والمستندات المتداولة في الملف، معتبرة أن هذه العناصر تستوجب المزيد من البحث والتدقيق القضائي من أجل كشف الحقيقة وترتيب الآثار القانونية اللازمة.
ولم تقف الحرب على التركة عند حدود المحاكم المدنية، بل اشتعلت في الشق الزجري بعدما تحركت متابعات قضائية في حق ثلاثة أشخاص بتهم تتعلق بتقديم تصريحات غير صحيحة وشهادات اعتبرها المتضررون “موجهة لتغيير معطيات التركة الحقيقية”. وعلى الرغم من أن المحكمة الابتدائية بورزازات قضت في 5 أكتوبر 2023 ببراءة المتهمين لعدم كفاية الأدلة الجنائية، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في 30 أبريل 2024 بعد تراجع بعض الشهود عن تصريحاتهم، إلا أن الطرف المدني يرى أن وصول الملف إلى ردهات القضاء الجنائي يعكس حجم التوتر وحساسية المعطيات، ويكشف، بحسب روايته، محاولات التأثير على مسار العدالة لتثبيت واقع عقاري محل نزاع.
وبين أحكام النقض والمعاينات الميدانية والخبرات القضائية المتتالية، ما يزال هذا الملف المفتوح منذ أكثر من 25 سنة ينتظر حكما نهائيا يضع حدا لواحدة من أكثر قضايا التركات تعقيدا بإقليم ورزازات، في وقت يؤكد فيه الورثة المتضررون أن مطلبهم الوحيد هو الوصول إلى الحقيقة وإنصاف أصحاب الحقوق وفق ما سيقرره القضاء.
المصدر:
العمق