أثار التدخل الطبي المستعجل الذي شهده الإقليم لإنقاذ حياة سائح من جنسية أمريكية، نقاشا واسعا وسط الفعاليات المحلية والحقوقية بمنطقة الجنوب الشرقي، معيدا إلى الواجهة الإشكالية المزمنة المرتبطة بإنقاذ المواطنين في القرى والمناطق الجبلية النائية، وتوفر وسائل الإخلاء الطبي الجوي لعموم المواطنين على قدم المساواة.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى يوم الخميس الماضي، حينما استقبل المركز الاستشفائي الإقليمي “سيدي حساين بناصر” بورزازات سائحا أمريكيا في حالة حرجة، إثر تعرضه لحادثة سير خطيرة أثناء قيادته لدراجة نارية من الحجم الكبير بجماعة “سكورة”.
الحادث تسبب للمصاب في نزيف داخلي حاد على مستوى الطحال، مما استلزم إخضاعه لعملية جراحية مستعجلة تكللت بالنجاح بفضل كفاءة وسرعة تدخل الأطر الطبية والتمريضية بالمستشفى الإقليمي.
وفي إطار استكمال البروتوكول العلاجي، فعلت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مسطرة النقل الطبي الجوي، حيث جرى نقل السائح عبر طائرة خاصة من مطار ورزازات نحو المستشفى الجامعي محمد السادس بمراكش.
ورغم الإشادة الواسعة بالبعد الإنساني والاحترافي للعملية، إلا أن تصريحات متطابقة استقتها جريدة “العمق” من ساكنة مختلف مناطق إقليم ورزازات، كشفت عن غصة وشعور بـ”التمييز” عندما يتعلق الأمر بالمواطن المغربي البسيط.
وفي هذا السياق، صرح رشيد، وهو مواطن من أبناء مدينة ورزازات قائلا: “صراحة، لا مشكلة لدينا في كون هذا السائح قد استفاد من المروحية وتم إنقاذ حياته، بل على العكس، هذا أمر إيجابي يظهر مستوى الاهتمام بحياة الإنسان، لكن ما نتمناه ونطالب به هو أن تحظى الحالات المماثلة للمواطنين المغاربة بنفس المعاملة”، مشيرا إلى أن “حياة الإنسان لا تقاس بجنسيته، والكل يجب أن يجد نفس العناية وسرعة التدخل في لحظات الخطر، فالأرواح كلها عند الله سواسية”.
من جهتها، قالت فاطمة الزهراء، من ساكنة المدينة :”تم استقبال مواطن أجنبي والتكفل بعلاجه ونقله على وجه السرعة جوا، وهو أمر نشيد به إنسانيا، لكن ما يدمي القلب هو أن أبناء المدينة من دافعي الضرائب يتم تجاهلهم في نفس المستشفى، ويُتركون للمعاناة في طوابير الانتظار، وأحيانا دون أي تدخل”.
وأضافت المتحدثة أن “الأجنبي يحظى بالإخلاء الجوي في دقائق، بينما ابن المنطقة يموت ببطء أمام شبابيك الاستقبال ويُقال له: (سير حتى لغدا)” وفق تعبيرها.
ودخلت فعاليات حقوقية بورزازات على خط النقاش، حيث عتبر فاعل حقوقي في تصريح “للعمق” أن نقل سائح أجنبي عبر الطائرة بات أمرا عاديا ومألوفا، لكن المفارقة تكمن في غياب هذا التعامل عندما يتعلق الأمر بالمواطن المغربي.
وأضاف المتحدث ذاته أن هذه المسألة تعكس، طبيعة تعاطي السياسات العمومية مع المواطن المحلي مقارنة بالأجنبي الذي يتمتع بحماية ورعاية مضاعفة، مستطردا بالقول “للأسف، أصبح من المعتاد رؤية الهليكوبتر تتحرك بسرعة لإنقاذ الأجنبي، في حين أن ابن الجنوب الشرقي والمناطق الجبلية لا تصل إليه وسائل الإنقاذ إلا بعد أن يفارق الحياة”.
وفي سياق متصل، تفاعل مواطن من ساكنة منطقة “إمغران” بكثير من المرارة مع خبر النقل السريع للسائح الأمريكي، معتبرا أنه فور سماعه للواقعة، استحضر مباشرة حادثة مأساوية مماثلة وقعت لشقيق مراسل جريدة العمق بجهة درعة تافيلالت.
وأوضح المتحدث أن الحالتين متشابهتان تماما من حيث خطورة الإصابة وطبيعة الحادث، غير أن المصير كان مختلفا بشكل يصدم الضمير، مؤكدا أن الوقت الذي جُندت فيه المروحية لنقل السائح الأمريكي وإنقاذ حياته، واجه المواطن المغربي غياب وسائل الإخلاء الطبي السريع، مما أدى إلى وفاته.
وتساءل المتحدث في ختام تصريحه كيف يمكن لنا، بمنطق العقل والعدالة الإنسانية، أن نحلل ونبرر هذا التباين في التعامل مع أرواح البشر على نفس الأرض.
وتفتح هذه الواقعة المتجددة باب التساؤلات على مصراعيه حول شعارات “تجويد المنظومة الصحية” و”تقريب الخدمات الطبية من العالم القروي والمناطق الجبلية”، في ظل واقع يؤكد فيه الفاعلون المحليون أن “حق الوصول إلى العلاج” والإنقاذ السريع لا يزال محكوما بمنطق “الهوية والجنسية” بدل منطق “الإنسانية والمواطنة”.
المصدر:
العمق