صرّحت المحكمة الدستورية بأن عددا من مقتضيات مشروع القانون رقم 16.22 المتعلّق بتنظيم مهنة العدول “مخالفة للدستور”، بينها تحديد عدد شهود اللفيف في 12 “ذكورا وإناثا”، والتنصيص على تلقي العقد من العاجز عن الكلام أو السمع عبر “الإشارة المفهومة”، مقابل إقرارها بدستورية مقتضيات أخرى.
واعتبرت المحكمة في قرارٍ لها، صدر الاثنين، أن المواد 8 و53 (الفقرتين الأولى والثانية) و67 (البند الأول)، مخالفة للدستور، وكذلك المواد من 140 إلى 194 من البابين الثاني عشر والثالث عشر، فيما أغفلته من ضمان استمرارية المرفق العام التوثيقي، مخالفة للدستور.
وفي التفاصيل، استحضر القرار أن الجهة المحيلة تؤاخذ كون مقتضيات الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53 تسمح بتلقي العقد من العاجز عن الكلام أو السمع عبر الإشارة المفهومة عند تعذر الكتابة.
ونبّه إلى أن “المساواة التي يكفلها الدستور لا تقتصر على مفهومها الشكلي، بل تمتد إلى ضمان شروط الممارسة الفعلية للحقوق والحريات، بما يستوجب توفير الوسائل والتيسيرات الملائمة للأشخاص في وضعية إعاقة، كلما كان ذلك ضروريا لتمكينهم من التعبير عن إرادتهم وممارسة حقوقهم على قدم المساواة مع غيرهم”.
وأوضحت المحكمة الدستورية أن “إخضاع الاستعانة بوسائل التواصل الملائمة لوضعية الأشخاص ذوي الإعاقة المذكورة لسلطة العدلين التقديرية دون إقرار ضمانة قانونية لا يوفر لهذه الفئة الشروط الكافية للتعبير عن إرادتها تعبيرا يقينيا وكاملا عند تلقي العقود والشهادات، ولا يكفل لها الاستفادة من الخدمات التوثيقية التي ينظمها القانون المحال، على قدم المساواة مع سائر المتعاقدين”.
وأوضح القرار، بالاستناد إلى ما بيّنه، أن مقتضيات الفقرتين المذكورتين “قد أخلت بمتطلبات المساواة الفعلية وبواجب توفير الحماية القانونية للأشخاص في وضعية إعاقة، المقررين بمقتضى الدستور”. وبناء على ذلك، اعتبر أن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53 “غير مطابقتين للدستور”.
صرّحت المحكمة الدستورية بأن البند الأول من المادة 67 “في مجموعه يخل بمتطلبات الأمن القانوني المستفاد من أحكام الدستور وفق ما بين أعلاه، مما يجعله مخالفا للدستور”.
وينص هذا البند على أنه يشترط في شهود اللفيف ما يلي: ألا يقل عددهم عن اثني عشر (12) ذكورا وإناثا”.
وفي تعليلها لعدم دستورية البند، ذكرت المحكمة الدستوية أن “الفصل السادس من الدستور يُرسي مبدأ سمو القانون وخضوع الجميع له أفرادا وهيئات، بما يستوجب أن تتسم القاعدة القانونية بالوضوح والدقة والقابلية للتوقع، وأن تكون صياغتها محكمة بما يمكن المخاطبين بها من استيعاب مضمونها وإدراك آثارها القانونية على نحو يقيني خال من اللبس والغموض”.
ومن خلال الاطلاع على الأعمال التحضيرية للقانون المحال، اتضح للمحكمة أن مدلول عبارة “ذكورا وإناثا” الواردة في البند “يفتح المجال أمام تأويلات وتطبيقات متباينة تبعا للسلطة التقديرية لكل قاض بمعزل عن غيره”.
وأضافت أن هذا الأمر “يجعل هذه العبارة تفتقر إلى المدلول الموحد والمعنى المحدد، مما يجعل تطبيقها رهينا باجتهادات قضائية متضاربة، ويُعرّض المراكز القانونية للمخاطبين بمقتضياتها لعدم الاستقرار”.
وتابع المحكمة أن “القاعدة القانونية التي يتبين من خلال الاطلاع على الأعمال التحضيرية أنه يتعذر تحديد مدلولها على نحو قاطع، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الوضوح والدقة المطلوب توافرهما فيها دستوريا”، معتبرة أن هذا “يجعل صياغة العبارة المعروضة غامضة وغير مقروءة، وبالتالي لا توفر للمخاطبين بها القدر اللازم من الجزم بشأن شروط تطبيقها وآثارها القانونية”.
أكثر من ذلك، رأت المحكمة الدستورية أن “التصريح بعدم دستورية عبارة “ذكورا وإناثا، والإبقاء على الجزء الآخر الذي هو: “ألا يقل عددهم عن إثني عشر (12)، من شأنه أن يؤدي إلى إنشاء قاعدة قانونية جديدة تكمن في حصر العدد في إثني عشر شاهدا من الذكور فقط”.
وزادت أن هذا الأمر “يخالف قصد المشرع المتمثل في إقرار أحقية الذكور والإناث في أن يكونوا معا أو أحدهم حسب الحالة، ضمن شهود اللفيف، وهو ما يندرج في المجال التشريعي”.
تجدر الإشارة إلى أن قرار المحكمة اعتبر أن المواد 37 و50 و51 و55 (الفقرة الثانية) و63 (الفقرة الأولى) و77 (الفقرتين الثانية والثالثة)، ليس فيها ما يخالف الدستور.
وبشأن المادة 120 التي تنظم تركيبة اللجنة التأديبية المحدثة لدى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، التي تبت في المتابعة التأديبية في حق العدول، فقد ذكرت المحكمة أن ليس فيها ما يخالف الدستور.
واشترط القرار في هذا الصدد أن تفهم المادة و”تطبق على أساس أن إحالة مقترحات اللجنة التأديبية إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، لا تسند لوزير العدل صلاحية إعادة النظر فيها، وإنما تخوله حصرا ممارسة الاختصاصات التنفيذية والإدارية اللازمة لتنفيذ المقرر التنفيذي وترتيب آثاره القانونية”.
المصدر:
هسبريس