آخر الأخبار

بعد تجربتين حكوميتين.. هل تحدث انتخابات 2026 متنفسا أم تعيد إنتاج نفس المشهد السياسي؟

شارك

تقترب الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، و يجد المشهد السياسي المغربي نفسه أمام 15 سنة من تعاقب حكومات متباينة في الرؤى، فمنذ إقرار تعديل الدستور وبروز دستور 2011، حاول المغاربة اختبار تجربتين سياسيتين متناقضتين تجربة قادها الإسلاميون السياسيون لولايتين متتاليتين بخطاب إيديولوجي صرف، و تجربة ثانية تقودها حاليا “كفاءات” تكنوقراطية وبروفايلات مالية وعدت بالدولة الاجتماعية.

وبالرغم من اختلاف المرجعيات وتباين الرؤى السياسية، يظل المشهد السياسي عالقا في عنق زجاجة تتسم بالعزوف الانتخابي خاصة في صفوف الشباب، وأزمة ثقة متراكمة بين الناخب والأحزاب، وإلى جانب كل هذا، لم يعد السؤال متمحورا اليوم حول إيديولوجية الحزب الذي سيتصدر الانتخابات، بل من سيعيد بناء عقد اجتماعي موثوق، متجاوزا التناقض البنيوي المتمثل في اقتصاد سليم نسبيا، وعجز حكومي عن تحويل هذا التراكم إلى رفاهية اجتماعية ملموسة في المعيش اليومي.

لكن الأزمة لم تكن فقط في طبيعة الحزب الذي يترأس الحكومة، بل في بنية المنظومة السياسية والانتخابية نفسها، بحسب ما صرح به أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، موضحا أن تجربة الإسلاميين رفعت سقف الانتظارات الأخلاقية والاجتماعية، لكنها سرعان ما اصطدمت بمحدودية الفعل الحكومي وبكلفة التنازلات داخل التحالفات، في حين، رفعت تجربة “الكفاءات” شعار الفعالية والدولة الاجتماعية، لتجد نفسها أمام اختبار حماية القدرة الشرائية وتدبير الأسعار وغياب الوساطة الاجتماعية.

و يضيف المحلل السياسي أن هذا التراكم خلق لدى المواطن إدراكا بأن صناديق الاقتراع تغير الواجهة ولا تغير جوهر السياسات، وأن البرامج الانتخابية تتحول فور إعلان النتائج إلى مجرد تسويات حكومية وتحالفات ظرفية، مما يعمق الفجوة بين المواطن والانتخابات، وليس رفضا للمبدأ الديمقراطي، بل لغياب العلاقة بين التصويت و توفر شروط العيش الكريم، بحسب تصريحه لجريدة “العمق”.

ومن زاوية أخرى يفسر المحلل والخبير الإقتصادي زكرياء فيرانو، أن هذا العجز السياسي عن تلبية الانتظارات يعود تفسيره إلى خلل في البنية الاقتصادية، حيث أشار إلى وجود فجوة هيكلية عميقة بين “الشرعية السياسية” للحكومات المتعاقبة وقدرتها الفعلية على تحقيق حوكمة تحويلية للاقتصاد الوطني.

ويرى الخبير الاقتصادي أنه خلال الفترة 2012 و2021، كان الأداء الاقتصادي الكلي مرضيا بشكل عام لكنه لم يكن كافيا لتحقيق نمو شامل، إذ تراوح نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في المتوسط بين 2.8 و4.8 في المائة، إلا إنه ظل رهينا بالتقلبات المناخية.

ورغم نجاح الدولة في خفض عجز الموازنة من 7.6 في المائة عام 2012 إلى 3.5 في المائة عام 2016، إلا أن ذلك تحقق عبر قرار وصفه فيرانو بـ”الجريء والمؤلم اجتماعياً” والمتمثل في إصلاح صندوق المقاصة، والذي تزامن مع رفع الحماية عن القدرة الشرائية. فيما ارتفع العبء الضريبي من 22.4 إلى 26.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، دون أي تحسن ملموس في جودة الخدمات العمومية، بحسب فيرانو.

وأضاف أن الحكومة الحالية دخلت مسارها مثقلة بتشخيص صادم قدمه النموذج التنموي الجديد، والذي كشف عن وجود أربعة ملايين مغربي يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، و32 في المائة من القوى العاملة في وضع هش، ورغم إطلاق أوراش ملكية غير مسبوقة، كتوسيع التغطية الصحية لتشمل 22 مليون مستفيد وتعميم التعويضات الأسرية على 7 ملايين طفل، إلا أن مكامن الخلل الحكومية ظهرت في العجز عن مواجهة التضخم الحاد.

وتكشف لغة الأرقام عن استمرار التفاوت الاجتماعي، حيث يتجاوز معامل جيني عتبة 41. كما بلغت معدلات تضخم أسعار المواد الغذائية ذروتها عند 11.8 في المائة مطلع 2023. ويعتبر تدبير أزمة اللحوم الحمراء، التي قفزت أسعارها إلى ما بين 90 و120 درهما للكيلوغرام (بزيادة 60 في المائة مقارنة بـ 2019)، دليلا صارخا على فشل السياسات العمومية. يضاف إلى ذلك استمرار نسبة الشباب خارج منظومة التعليم والعمل والتدريب في مستويات مقلقة تتجاوز 26 في المائة.

ويتفق الخبيران على أن التناقض المشهود في الشارع اليوم يكشف عن بنية مؤسسية مزدوجة؛ فمن جهة يقود القصر الملكي أوراشا استراتيجية كبرى (مونديال 2030، محطات تحلية المياه، الدولة الاجتماعية) برؤية تتجاوز الزمن الانتخابي، ومن جهة أخرى يبرز العجز على المستوى الحكومي التنفيذي في تحويل هذه الرؤى إلى سياسات عمومية ناجعة.

ويشير رشيد لزرق إلى أن الحكومة قد تنجح في تقديم مؤشرات ماكرو-اقتصادية مقبولة، لكنها تفشل انتخابيا إذا لم يتحول هذا الأثر إلى داخل البيت الأسري والسوق والمدرسة والمستشفى، مؤكدا أن “الناخب لا يصوت بناء على نسب النمو أو لغة الاستثمار، بل بناء على ما يراه في فاتورة المعيشة اليومية.

وفي السياق ذاته يعزز فيرانو هذا الطرح بتأكيده على تراجع معامل مرونة الرفاه والنمو، حيث يتزامن النمو الإيجابي في الناتج المحلي مع تراجع حقيقي في القدرة الشرائية للأسر المتوسطة والهشة.

أمام هذه المعطيات، لا تحمل محطة 2026، حسب تقدير رشيد لزرق، مؤشرات قطيعة كبيرة بقدر ما تُنذر بإعادة ترتيب للوضع القائم، ويرجع السبب المركزي إلى طبيعة “نمط الاقتراع النسبي” المعتمد، والذي يُفتّت الخريطة الحزبية ويمنع بروز أغلبية صافية، مما يجعل الحكومة ثمرة “جمع حسابي للمقاعد” وتوازنات تفاوضية بدل أن تكون ترجمة لاختيار شعبي واضح.

و في ظل هذا النمط، واستمرار رهان الأحزاب على الأعيان والترحال السياسي، يصبح العقاب الانتخابي الحاسم شبه مستحيل. ويتوقع لزرق أن يشهد شتنبر 2026 تصويتا احتجاجيا وعزوفا، يقابله تصويت محلي مرتبط بشبكات الأعيان، لتنتهي العملية بائتلاف حكومي جديد يعيد تركيب نفس المعادلة بألوان ووجوه جزئية مختلفة.

و يحذر فيرانو من التحديات التي لا تتوقف والتي تشكل فرامل عند هندسة الانتخابات، بل تمتد إلى الدين العام الذي يبتلع 28 في المائة من المداخيل الضريبية، وضعف القدرة الإدارية حيث لا تتجاوز نسب تنفيذ ميزانيات الاستثمار 70 في المائة. وتزداد الصورة قتامة مع أخطاء الاستهداف في السجل الاجتماعي الموحد، الذي يواجه خطر التحول إلى “آلية لضمان البقاء في الفقر” بدل الترقي الاجتماعي، علاوة على التكلفة المرتفعة للبرامج الاجتماعية (53 مليار درهم) وزحف ظاهرة الشيخوخة.

وفي سياق آخر أكد أستاذ العلوم القانونية والسياسية والإدارية عبد الرحيم خالص، في حديثه عن الوضع الاقتصادي، أن المغرب ما يزال يعاني من ظاهرة التضخم ومعالمها المجتمعية، كأزمة الجفاف المستدامة وغلاء اللحوم وارتفاع أسعار الأضاحي والمواد الأساسية في آخر مناسبة دينية والتي أثارت الكثير من اللغو كما أثارت العديد من الأسئلة.

وبخصوص بعض الإنجازات “الواقعية بالرغم من محدودية أثرها الاجتماعي”، اعتبر أستاذ العلوم السياسة أن الحكومة الحالية، نجحت “إلى حد ما” في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية (مؤشرات جلب الاستثمارات الخارجية، التحكم في عجز الميزانية وتصنيفات الائتمان الدولية)، لكنها فشلت في السوسيولوجيا الاقتصادية، أي تحويل هذه الأرقام الصماء إلى أثر ملموس في قفة المواطن البسيط والطبقة المتوسطة “التي يتم سحقها تدريجيا”، حسب تعبيره.

وفي هذا الإطار، يرى عبد الرحيم خالص أن عمليات التواصل البرلماني والحكومي تقف عاجزة عن تفسير أسباب الغلاء، مثل تبرير استيراد اللحوم والماشية من الخارج دون أن ينعكس ذلك إيجابا على الأسعار في الأسواق الشعبية. مؤكدا أن كل هذا، سيكون له الأثر على السلوك الانتخابي

وفي السياق نفسه، وخصوصا في حديثه عن الوضعية الانتخابية لسنة 2026، يرى الخبير في الشؤون الاقتصادية أن هذه المرحلة قد تشكل محطة مهمة، خاصة وأنها مقررة في 23 شتنبر 2026، في سياق يشهد تحركات حزبية مبكرة وصراعا واضحا حول التزكيات والاستقطابات، طارحا إشكالية مفادها: هل نحن أمام تجديد سياسي حقيقي أم مجرد إعادة توزيع للأدوار؟

لكن لزرق دعا إلى ضرورة الحذر، في حال بقي الرهان على الأعيان والترحال السياسي والبحث عن المرشح القادر على جلب المقعد بدل المرشح القادر على إنتاج فكرة وبرنامج، إذ سنكون حينها أمام هندسة جديدة للوضع القديم لا أمام مرحلة سياسية جديدة.

وأكد أن المشهد بلغ نوعا من عنق الزجاجة السياسي، حيث لم يعد المواطن يحاكم الأحزاب فقط من خلال خطاباتها، بل من خلال الثمن الذي يدفعه في السوق، وجودة المدرسة العمومية، وفرص الشغل، ومدى الإحساس بالعدالة. وعندما يرى المواطن أن الوجوه تتغير لكن منطق التدبير لا يتغير كثيرا، وأن الأحزاب تنتقد بعضها في الحملات الانتخابية ثم تعيد إنتاج السلوك نفسه بعد الانتخابات، فمن الطبيعي أن تتسع الهوة بينه وبين صناديق الاقتراع.

ويجمع المحللون والأكاديميون على أن انتخابات 2026 قد تشكل سنة للتنفس السياسي إذا ظهرت عروض حزبية جدية وبرامج واضحة ونخب ذات مصداقية وتواصل صادق مع المواطنين، فإنها لن تكون مجرد عملية لفرز مقاعد البرلمان، بل هي مرحلة حقيقية للانتقال من نمو اقتصادي يغرد خارج السرب و مؤسسات تعيد إنتاج نفسها، إلى نموذج يربط المسؤولية بالمحاسبة ويخرج المواطن المغربي من عنق الزجاجة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا