هبة بريس
مع انتهاء ذبح الأضاحي وانشغال الأسر بتقطيع اللحوم وحفظها، يبدأ مصير جزء آخر من الأضحية في التحدد بهدوء بعيداً عن الأضواء. إنه الجلد، أو “الهيدورة” كما يسميه كثير من المغاربة، والذي كان لعقود طويلة مادة ثمينة داخل البيت، قبل أن يتحول اليوم في أغلب المدن إلى مخلف موسمي ينتهي به المطاف في حاويات النفايات أو نقاط التجميع المؤقتة.
ولم يكن جلد الأضحية في الماضي مجرد بقايا عملية الذبح، بل كان جزءاً من دورة اقتصادية واجتماعية متكاملة داخل الأسرة المغربية. كانت العناية به تبدأ منذ اللحظات الأولى، حيث يحرص أفراد الأسرة، أو من يتولى عملية السلخ، على تجنب أي تمزيق أو خدش قد يفسد الجلد ويقلل من قيمته. كان الخبراء وأصحاب التجارب الكبيرة هم من يقومون بهذه العملية لتفادي أي عواقب على “الهيدورة”.
حين كان الحفاظ على الجلد مهارة بحد ذاتها
هذه المهمة كانت تتطلب خبرة وصبراً، إذ لم يكن الهدف فقط الحصول على اللحم، بل أيضاً الحفاظ على الجلد سليماً ليستفيد منه البيت لاحقاً. ولهذا السبب، كان بعض الجزارين التقليديين يفتخرون بقدرتهم على سلخ الأضحية كاملة دون إحداث ثقوب أو شقوق في الجلد، باعتبار ذلك دليلاً على المهارة والإتقان.
وبعد تنظيف الجلد وتمليحه وتجفيفه، ثم تنظيفه مرة أخرى، يتحول إلى “هيدورة” يجلس عليه المغاربة في البيوت. ولم تكن “الهيدورة” مجرد أداة للاستعمال اليومي، بل كانت تحمل أيضاً بعداً رمزياً يرتبط بالاقتصاد المنزلي وعدم هدر أي جزء من الأضحية. ففي زمن كانت فيه الموارد محدودة، كانت الأسر تحرص على الاستفادة من اللحم والشحم والأحشاء والجلد، في تجسيد لثقافة تقوم على إعادة الاستعمال واستثمار كل ما توفره الأضحية.
الجلد الذي كان ينعش مهن ما بعد العيد
كما ارتبط الجلد بمهن تقليدية كاملة كانت تنتعش به بعد العيد. فالدباغون والحرفيون وصناع المنتجات الجلدية كانوا ينتظرون هذه المناسبة للحصول على كميات مهمة من الجلود الخام، التي تتحول لاحقاً إلى منتجات متنوعة، من الأحذية والحقائب إلى المفروشات والأدوات التقليدية.
غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجياً خلال العقود الأخيرة. فمع التحولات الاجتماعية والعمرانية التي عرفها المغرب، وتراجع استعمال المنتجات التقليدية داخل البيوت، فقد الجلد جزءاً كبيراً من قيمته الاقتصادية والوظيفية. كما أن الانتقال من المنازل الواسعة إلى الشقق السكنية جعل عمليات تنظيف الجلد وتمليحه وتجفيفه أكثر صعوبة بالنسبة للأسر الحضرية.
عادات تتراجع تحت ضغط التحولات الاجتماعية
وأصبح مشهداً مألوفاً اليوم أن تتخلص أسر كثيرة من الجلد مباشرة بعد الذبح، خصوصاً في المدن الكبرى، بعدما تراجعت الحاجة إلى الاحتفاظ به أو تحويله إلى منتجات منزلية كما كان يحدث في السابق. وفي المقابل، ما تزال بعض المناطق القروية وشبه القروية تحافظ على جزء من هذه العادات، وإن بوتيرة أقل مما كانت عليه في الماضي.
ويرى متابعون للشأن الاجتماعي أن التحول الذي عرفه جلد الأضحية يعكس تغيراً أوسع في أنماط العيش والاستهلاك داخل المجتمع المغربي. فالأجيال الجديدة لم تعد تنظر إلى الجلد باعتباره مادة قابلة للاستثمار، بقدر ما تتعامل معه باعتباره جزءاً من مخلفات العيد التي ينبغي التخلص منها بسرعة.
الهيدورة.. حكاية جزء من عيد الأمس
ومع ذلك، لا تزال بعض الأسر تحافظ على تقاليد قديمة، وتحرص على سلخ الأضحية بعناية كبيرة أملاً في الحصول على جلد سليم يمكن الاستفادة منه لاحقاً، خصوصا في البوادي. في هذه البيوت، يعود الحديث كل عيد عن ضرورة عدم ثقب الجلد أو خدشه، وتستعاد قصص “الهيدورة” التي كانت تزين المجالس والغرف، وترافق أفراد الأسرة لسنوات طويلة.
وهكذا، يبدو جلد الأضحية اليوم شاهداً على تحولات عميقة عرفها المجتمع المغربي؛ فمن مادة كانت تحظى بعناية تضاهي أحياناً العناية باللحم نفسه، إلى عنصر فقد كثيراً من وظائفه التقليدية تحت تأثير تغير أنماط السكن والاستهلاك والحياة اليومية. وبين الماضي والحاضر، تبقى “الهيدورة” واحدة من التفاصيل الصغيرة التي تختزن ذاكرة أجيال كاملة من المغاربة، وتروي جانباً من قصة عيد كان فيه لكل جزء من الأضحية مكانه وقيمته.
المصدر:
هبة بريس