آخر الأخبار

كيف تعيد الصين رسم الخرائط بجيش من أشبح البحار؟ | الحرة

شارك

في ساعات الفجر الأولى، لا شيء يبدو استثنائيا في مياه بحر الصين الشرقي: قوارب صيد متراصة، أضواء خافتة تترقرق على وجه المياه، وإيقاع بطيء يوحي بحياة بحرية روتينية واعتيادية. لكن على شاشات المراقبة عبر الأقمار الصناعية، تتبخر هذه اللوحة الوادعة، فهذه ليست مجرد قوارب تبحث عن رزقها، إنها شبكة معقدة تتحرك بانضباط صارم، كأنها جيش نظامي لكن خُلع عنه الزي العسكري.

من هم هؤلاء حقا؟ هل نحن أمام صيادين بسطاء، أم جزء من قوة بحرية ضاربة لا تعترف بها أي دولة؟

في عرض البحر، بعيدا عن صخب العواصم وخرائط الأخبار التقليدية، تبني الصين منذ أكثر من عقد من الزمان مشروعا جيوسياسيا هائلا، لا يشبه أي مشروع توسع بحري عرفه التاريخ الحديث. إنه مشروع استثنائي لا يعتمد فحسب على هيبة حاملات الطائرات والمدمرات الفتاكة، بل يرتكز بالأساس على قوارب صيد خشبية، وشعاب مرجانية مطمورة تحت الرمال، ومليشيات مدنية تتحرك كالأشباح في المنطقة الفاصلة بين الحرب والسلام.

يطلق الغرب على هذا المشروع اسم “سور الصين البحري العظيم”، وأحيانا “السور الرملي العظيم”. لكن خلف هذه التسميات المجازية تكمن حقيقة مرعبة: شبكة معقدة من القواعد العسكرية، الجزر الاصطناعية، سفن الصيد شبه العسكرية، وأنظمة المراقبة المتطورة. منظومة كاملة تدير عمليات “الحرب الرمادية” التي تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ البحري في آسيا وقضم الممرات الدولية.. دون إطلاق رصاصة واحدة. وفي قلب هذه الماكينة الغامضة، تقف واحدة من أكثر القوى البحرية سرية في العالم: “مليشيا الصيادين البحرية الصينية”.

في أواخر عام 2025، رصدت خرائط الملاحة البحرية ظاهرة غريبة في بحر الصين الشرقي. مئات السفن “غير العسكرية” بدأت تتحرك في تشكيلات مناورة لا صلة لها من قريب أو بعيد بالصيد التقليدي. لا شعارات عسكرية ترفعها، ولا أوامر رسمية معلنة، ومع ذلك، لا تبدو عشوائية.

من خلال إعادة بناء البيانات وتجميعها من مصادر متعددة تشمل أنظمة التعريف الآلي للسفن (AIS)، وسجلات الهوية الدولية للخدمة المتنقلة البحرية (MMSI)، وصور الأقمار الصناعية، بدأ يظهر نمط سلوكي شاذ لا يتوافق مع حركة السفن التجارية أو قوارب الصيد.

منذ ديسمبر 2025، بدأنا نتتبع ورصد مئات، ثم آلاف السفن الصينية وهي تصطف في خطوط مستقيمة متناهية الدقة فوق سطح البحر. لم تكن هناك مسارات بحث عن أسراب الأسماك، ولا أنماط جر الشباك المعتادة، ولا حتى الحركة العشوائية التي تميز مواسم الصيد الجماعي، بل تشكيلات هندسية تتكرر بدقة عسكرية لافتة.

خلال أربعة أيام فقط، بين 24 و27 ديسمبر 2025 تمكنا من رصد 1862 سفينة في تشكيل بحري واسع قرب الحدود البحرية مع اليابان، وبعد أقل من أسبوعين، ظهر تشكيل ثانٍ ضم 1469 سفينة ثم تبعه تشكيل ثالث في مارس 2026 ضم 841 سفينة.

مصدر الصورة

التفصيل الأكثر خطورة في تحليل هذه البيانات لم يكن ضخامة الأعداد، بل “التكرار”. إذ أظهرت سجلات التعريف البحري أن 985 سفينة شاركت في أكثر من تشكيل واحد، ما يعكس تنسيقا عملياتيا مستداما وغرفة قيادة موحدة.

لفهم الجذور العميق لهذه التحركات، يتعين علينا العودة بالزمن أكثر من عقد إلى الوراء. في عام 2013، بدأت سفن التجريف الصينية العملاقة العمل بهدوء فوق شعاب مرجانية صغيرة مغمورة في بحر الصين الجنوبي. وخلال سنوات قليلة، وبحسب تقارير استخباراتية موثقة، تحولت تلك الشعاب الميتة إلى جزر اصطناعية مجهزة بمهابط طائرات، موانئ عسكرية، قواعد رادار، ومنصات إطلاق صواريخ.

في مقابلة خاصة أُجريت لصالح هذا التحقيق، يوضح الباحث والخبير الأميركي المتخصص في قضايا بحر الصين الجنوبي والأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بمركز CSIS، غريغوري بولينغ، أن “مصطلح ‘السور الرملي العظيم’ يعود في الأصل إلى الأميرال الأميركي هاري هاريس، القائد السابق للقيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ. ويضيف بأن الصين “أنشأت بالفعل آلاف الأفدنة من الأراضي الاصطناعية على الشعاب المرجانية الصغيرة والصخور في بحر الصين الجنوبي، وخلال بضع سنوات فقط، حوّلتها إلى قواعد جوية وبحرية متكاملة”.

يقع بحر الصين الجنوبي في قلب الممر البحري الأكثر أهمية عالميا، حيث تعبره تريليونات الدولارات من التجارة الدولية سنويا، فضلا عن احتوائه على احتياطات هائلة من النفط، الغاز، والثروة السمكية.

لكن العقدة الجيوسياسية تكمن في أن هذا البحر ليس بحيرة صينية، إذ تتداخل فيه المطالبات السيادية لكل من الفلبين، فيتنام، ماليزيا، بروناي، وتايوان. ورغم ذلك، تضرب بكين بعرض الحائط كافة الاعتراضات، وتصر على أن معظم المساحة البحرية تقع ضمن ما تسميه “خط النقاط التسع” (Nine-Dash Line)، وهو خط ترسمه الصين من طرف واحد على الخرائط لمنح نفسها حقا تاريخيا مزعوما للسيطرة على البحر. ورغم أن محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي رفضت رسميا هذه المطالبات عام 2016، فإن بكين تجاهلت الحكم تماما واستمرت في فرض واقعها الخاص.

تشير التقارير الاستخباراتية والأبحاث الأكاديمية إلى وجود قوة شبه عسكرية غامضة تُعرف باسم “الميليشيا البحرية التابعة للقوات المسلحة الشعبية الصينية” (PAFMM)، وهي ميليشيا بحرية مرتبطة هيكليًا بالجيش الصيني وخفر السواحل.

في البحر، تبدو هذه السفن كقوارب صيد عادية. يرتدي رجالها ملابس الصيادين، وتتحرك ببطء في المياه المتنازع عليها. لكن كثيرا منها، بحسب الخبير غريغوري بولينغ، لا يعمل في الصيد أساسا.

ويقول بولينغ لـ”الحرة” إن الصين طورت نسخة بحرية حديثة من فكرة “الميليشيا الشعبية” التي تعود إلى عهد ماو زيدونغ، مستخدمة سفنا تبدو مدنية لكنها تؤدي مهاما منظمة لصالح الدولة.

ويضيف: “هناك مكوّن مهني من تلك الميليشيا، صيادون لا يصطادون أبدا… الشيء الوحيد الذي يفعلونه هو عمل الميليشيا”.

وبحسب بولينغ، والأبحاث التي قادها في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تؤدي هذه السفن أدوارا تتجاوز الصيد بكثير. فهي تراقب الحركة البحرية، وتنقل معلومات إلى البحرية الصينية، وتضايق سفن الدول المجاورة، وتساعد بكين على إبقاء حضور دائم في مناطق متنازع عليها، من دون أن تظهر دائما كقوة عسكرية رسمية.

ويقول بولينغ إن هذا النموذج يمنح بكين قدرة على الضغط في البحر من دون الوصول إلى عتبة الحرب. فالسفن لا تظهر كقطع عسكرية، لكنها تؤدي أدوارا تخدم أهدافا أمنية وسياسية. وهذا، برأيه، هو جوهر ما يُعرف بـ”الحرب الرمادية”: استخدام أدوات مدنية أو شبه مدنية لفرض وقائع ميدانية من دون مواجهة عسكرية مباشرة.

ولا يتوقف الأمر عند توصيف الخبراء. فقد حللت “الحرة” بيانات نظام التعريف الآلي للسفن AIS، ومعرفات السفن MMSI، وقارنتها ببيانات تتبع مفتوحة المصدر عبر منصة Global Fishing Watch، لتتبع حركة سفن ظهرت ضمن ثلاثة تشكيلات بحرية مشبوهة.

وشملت المراجعة أكثر من 100 سفينة. وأظهرت البيانات أن عددا كبيرا منها يحمل أنماط تسمية متشابهة ومنظمة، لا تبدو عشوائية كما هو معتاد في قوارب الصيد الفردية. وبرزت بينها أسماء تبدأ بسلاسل متكررة، مثل:

رصد نشاط سفن الصيد

تحميل ملف البيانات (CSV)
النوع اسم السفينة رقم MMSI تاريخ آخر بث ساعات الصيد
عرض المزيد

ومن خلال فك الشفرة الجغرافية لأسماء السفن، تبين أن الأحرف الأولى “Zhe” تشير إلى مقاطعة Zhejiang، بينما الاختصار “Min” يشير إلى مقاطعة Fujian. ولكن بعد مطابقة أرقام (MMSI) مع السجلات الإقليمية الصينية، تكشفت تفاصيل أوسع نطاقا شملت، ملكية السفن، التراخيص الممنوحة لها، حجم الدعم الحكومي، والارتباطات اللوجستية الخفية.

تنفي بكين رسميا وبشكل قاطع استخدام سفن الصيد لأغراض عسكرية أو سيادية، لكن قوائم الدعم الحكومي المحلي الرسمية، والتي اطلعنا عليها، تروي قصة مغايرة تماما.

ففي عينة عشوائية اخترناها من قائمة السفن المشتبه بها، تبين أن 88 سفينة من أصل 114 مدرجة رسميا في سجلات الدعم المالي المحلي، وتتلقى سنويا عشرات الآلاف من الدولارات تحت بنود، دعم الوقود، تحديث المعدات، النقل البحري، وزيادة القدرة التشغيلية.

والأخطر من الدعم المالي هو الغطاء التشريعي، إذ يسمح قانون التعبئة الوطنية الصيني للسلطات بمصادرة أو استخدام السفن المدنية لأغراض الدفاع الوطني عند الحاجة، ما يمنح بكين إطارا قانونيا جاهزا لتحويل أساطيل الصيد التجارية إلى قوة دعم بحرية عسكرية في أوقات الأزمات.

خلال بحثنا، عثرنا على وثائق رسمية ومواد نشرها الإعلام الحكومي الصيني تتحدث عن تكريم بعض هذه السفن وقادتها بسبب مشاركتهم في “عمليات إنقاذ بحرية بطولية”. ومن بين هذه السفن البارزة، Zhedaiyu 11492 وZheyuyu 82085، حيث حصل قادتها على أوسمة “الاستحقاق من الدرجة الأولى”.

لكن مقارنة تواريخ هذه الحوادث وعمليات الإنقاذ المعلنة مع بيانات التتبع الجغرافي للسفن (AIS) كشفت فجوات يصعب تجاهلها. ففي إحدى الحالات، كانت إشارات البث الخاصة بالسفينة قد اختفت من نظام التعريف الآلي قبل أشهر من الحادثة المعلنة. وفي حالة أخرى، أظهرت البيانات أن السفينة كانت راسية داخل الميناء في الوقت الذي قيل إنها كانت تشارك فيه في عملية إنقاذ في عرض البحر.

ومع أن أجهزة الـ (AIS) يمكن إغلاقها يدويا بأعطال أو تعمد، إلا أن قوانين السلامة البحرية الدولية تفترض بقاءها نشطة دائما. ورغم أن هذه الحالات قد لا تشكل دليلا جنائيا قاطعا على النشاط العسكري، إلا أنها تضفي طبقة كثيفة من الغموض والتوجس حول طبيعة المهام الحقيقية لهذه السفن.

وما يعزز الطابع العسكري المنظم، هو رصد سفن لوجستية ضخمة داخل التشكيلات تحمل غالبا اللاحقة الكودية “Yun”. هذه السفن لم تكن تصطاد، بل كانت تتحرك بانتظام بين الأساطيل لنقل الوقود، الغذاء، والإمدادات. وقد تمكنا من تحديد 14 سفينة إمداد ضمن بيانات (AIS) المتاحة، وهي قدرة لوجستية تتيح إبقاء أعداد هائلة من السفن في عرض البحر لأيام وأسابيع طويلة، وهو تكتيك يطابق العمليات الحربية المنظمة ولا يمت بصلة لنشاط الصيد التقليدي.

يرى الباحث غريغوري بولينغ أن الهدف الأسمى من بناء هذه الجزر الاصطناعية وتوظيف هذه الأساطيل لا يقتصر على القوة العسكرية الخشنة المباشرة، بل يتعلق بما يصفه بـ “الهيمنة الاستشعارية” ويضيف بأن “الصين بات بمقدورها اليوم أن ترى وتسمع كل ما يتحرك على سطح بحر الصين الجنوبي أو في أجوائه، بينما لا يستطيع الأميركيون مجاراتها في ذلك. فالجزر مجهزة برادارات بعيدة المدى، أنظمة اتصال فضائية متطورة، رادارات ما وراء الأفق (OTH)، ومن المرجح جدا زرع مصفوفات سونار متطورة تحت الماء. هذه المنظومة تمنح بكين التفوق المطلق لمراقبة الحركة البحرية، تتبع السفن والطائرات، وتعزيز دقة استهدافها الصاروخي”.

تشير اليوم، تقارير عسكرية متعددة إلى سيناريو مرعب يتم إعداده خلف الكواليس، وهو استخدام هذا الأسطول “الشبح” لفرض حصار بحري خانق حول تايوان.

تعتمد الفكرة الاستراتيجية على دفع آلاف السفن وقوارب الصيد “المدنية” لشل حركة الملاحة الدولية، إرباك خطوط الإمداد الحيوية، إبطاء التدخل العسكري للحلفاء، وخلق حالة من الازدحام والتكدس البحري الكارثي.. وكل ذلك دون الحاجة لإعلان حرب رسمية قد تشعل صداما عالميا مباشرا.

ويؤكد بولينغ أن المخططين العسكريين في واشنطن وتايبيه يدرسون ويحللون بالفعل الدور المحتمل لهذه الميليشيات المدنية في أي أزمة مستقبلية تعصف بمضيق تايوان، مشددا على أن المعضلة الأساسية في هذه الاستراتيجية الصينية أنها تتحرك بذكاء شديد داخل منطقة “رمادية” قانونيا وسياسيا، يصعب معها الرد العسكري التقليدي دون التورط في تهمة استهداف مدنيين.

تعتمد الصين استراتيجية “النفس الطويل” التي لا تبحث عن معركة حاسمة أو صدام مباشر، بل تسعى لتغيير الواقع الجغرافي والقانوني بالتدريج، خطوة تلو الأخرى، حتى يصبح الوجود الصيني المكثف أمرا واقعا واعتياديا يصعب على المجتمع الدولي التراجع عنه أو مواجهته.

وفي كل مرة تظهر فيها مئات السفن وهي تصطف في خطوط هندسية مستقيمة ومريبة فوق مياه هذا البحر المتنازع عليه، يلوح في الأفق السؤال الأكثر إلحاحا: هل هي مجرد قوارب صيد تبحث عن رزقها.. أم أن بكين انتهت بالفعل من بناء أكبر قوة بحرية شبه مدنية مقنّعة في التاريخ الحديث؟

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا