أحالت مكونات المعارضة البرلمانية القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية قصد البت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، معتبرة أن عدداً من مقتضياته تتضمن خروقات لمبادئ دستورية مرتبطة بالمساواة والأمن القانوني وضمانات المحاكمة العادلة وجودة المرفق العمومي وحماية الملكية وحقوق المتقاضين.
وأكدت المعارضة، في رسالة الإحالة الموجهة إلى رئيس المحكمة الدستورية، استناداً إلى الفصل 132 من الدستور، أن القانون الجديد يتضمن “ملاحظات عامة” تتعلق بخرق عدة مبادئ دستورية، إلى جانب “ملاحظات خاصة” تهم مواد بعينها اعتُبرت مخالفة للدستور، مطالبة المحكمة بالتصريح بعدم مطابقة عدد من مواده للدستور، أو حتى النظر في مدى دستورية النص برمته.
واعتبرت المعارضة أن بعض مقتضيات القانون تمنح سلطات تنظيمية أو تقديرية واسعة دون تأطير دقيق، بما يمس بمبدأ الشرعية القانونية والأمن القانوني وتدرج القواعد القانونية المنصوص عليها في الفصل السادس من الدستور، مشيرة إلى أن بعض المواد تخلق تمييزاً غير مبرر بين مهنيي التوثيق، خصوصاً ما يتعلق بحرمان العدول من الاستفادة من آليات تدبير الودائع المالية على غرار الموثقين، رغم أن الطرفين يمارسان وظيفة عمومية متماثلة تتمثل في التوثيق الرسمي للعقود.
وسجلت الرسالة أن بعض مقتضيات القانون تمس أيضاً بضمانات المحاكمة العادلة وحق التقاضي المنصوص عليهما في الفصل 118 من الدستور، بالنظر إلى تأثيرها المحتمل على حجية الوثائق العدلية وآليات الطعن المرتبطة بها، معتبرة أن أي غموض أو نقص في تنظيم مهنة العدول ينعكس مباشرة على الأمن التعاقدي والتوثيقي للمواطنين، ويزعزع الثقة في الوثيقة العدلية.
وفي تفصيلها للمواد المطعون فيها، اعتبرت المعارضة أن المادة 37، التي تحمل العدل مسؤولية الضرر الناتج عن امتناعه عن القيام بواجبه “بدون سبب مشروع”، تتضمن عبارة فضفاضة وغير منضبطة تفتح الباب أمام اختلاف التأويلات القضائية، وتمس بمبدأ الأمن القانوني والأمن القضائي، لأن المشرع لم يحدد المقصود بـ”السبب المشروع”، ما يترك سلطة تقديرية واسعة للقضاء ويجعل المركز القانوني للعدل غير مستقر أو قابل للتوقع.
كما أثارت المعارضة المادة 50 المتعلقة بإلزامية التلقي الثنائي للعقود، معتبرة أن الإبقاء على هذا النظام في المعاملات العقارية والتجارية، مقابل إعفاء مهن توثيقية أخرى من الشرط نفسه، يشكل تمييزاً غير مبرر بين المواطنين والمهنيين، ويتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، خاصة في ظل تطور الرقمنة واعتماد البطاقة الوطنية الإلكترونية، معتبرة أن هذا الشرط يعرقل سرعة المعاملات ويقوض جودة المرفق العمومي.
وبخصوص المادة 51، سجلت رسالة الإحالة أن الاكتفاء بإشعار الشاهد بتمتعه بالأهلية القانونية والحقوق المدنية دون اعتماد وسائل تحقق مؤسساتية، يجعل صحة العقود الرسمية رهينة بتصريحات شفوية قابلة للنزاع، بما يهدد الأمن التعاقدي للمواطنين. كما انتقدت المادة نفسها بسبب ما وصفته بعدم اكتمال نظام التنافي، لكونها منعت شهادة بعض أقارب العدل وأجرائه دون أن تشمل أطراف العقد وقراباتهم، وهو ما اعتبرته إخلالاً بمبادئ الحياد والنزاهة.
وفي ما يتعلق بالمادة 53، اعتبرت المعارضة أن السماح بتلقي العقد من العاجز عن الكلام أو السمع بواسطة “الإشارة المفهومة” عند تعذر الكتابة، دون إلزامية الاستعانة بخبير مختص، يعرض فئة من ذوي الاحتياجات الخاصة لمخاطر سوء التأويل أو التدليس، كما انتقدت استعمال عبارة “كل شخص مؤهل” دون تعريف قانوني دقيق، معتبرة أن ذلك يفتح الباب أمام تضارب التأويلات ويمس برسمية المحررات العدلية.
أما الفقرة الثانية من المادة 55، التي تسمح بالاعتماد على نسخة المستند في عمليات التفويت مقابل إشهاد بضياع الأصل، فقد اعتبرتها المعارضة مقتضى يهدد استقرار الملكية العقارية ويفتح الباب أمام التدليس واستعمال الوثائق بشكل مزدوج، بسبب غياب آليات رقمية أو سجلات مركزية للتحقق من صحة الوثائق، معتبرة أن ذلك يمس بحق الملكية المضمون دستورياً.
كما انتقدت المعارضة الفقرة الأولى من المادة 63 المتعلقة بإجراءات التقييد العقاري، معتبرة أنها تلزم العدل بإتمام التقييد دون توفير آلية قانونية متزامنة لحفظ الثمن وضمان حقوق المتعاقدين، ما يعرّض المشترين لمخاطر قانونية ومالية في حالة ظهور حجوزات أو تفويتات لاحقة، ويجعل الحماية الدستورية للملكية “حماية ناقصة”.
وفي ما يخص المادة 67 المتعلقة بشهادة اللفيف، اعتبرت المعارضة أن الصياغة المعتمدة بخصوص عدد الشهود “ذكوراً وإناثاً” تفتقر إلى الوضوح، وقد تفتح المجال لتأويلات تمس بمبدأ المساواة بين الجنسين، فضلاً عن أن اشتراط اثني عشر شاهداً يشكل عبئاً إجرائياً واجتماعياً على المواطنين، خصوصاً في المناطق القروية والنائية، ويتعارض مع معايير الجودة والنجاعة في المرافق العمومية.
كما طعنت المعارضة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 77، معتبرة أن استعمال مصطلح “التظلم” بدل “الطعن” في مواجهة قرارات القاضي المكلف بالتوثيق يحرم العدول من ضمانات التقاضي الكاملة، ويخلق غموضاً مسطرياً بشأن طبيعة وآثار القرارات القضائية الصادرة في هذا الإطار. وسجلت أيضاً أن المادة حصرت حق التظلم في العدول دون أطراف العقد، رغم أنهم أصحاب المصلحة المباشرة، وهو ما اعتبرته مساساً بحقوق المتقاضين والملكية والحماية القانونية للأسرة.
وخلصت المعارضة، في ختام رسالتها، إلى التماس البت في مطابقة المواد 37 و50 و51 و53 و55 و63 و67 و77، إضافة إلى مواد أخرى أو مجموع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، لأحكام الدستور، مرفقة طلبها بلائحة البرلمانيين الموقعين ونسخ من النصوص التشريعية التي صادق عليها كل من مجلس النواب ومجلس المستشارين في مختلف مراحل القراءة التشريعية.
المصدر:
العمق