بعد مرور أكثر من عقدين على الهجمات الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003، لا يزال هذا التاريخ يمثل “ندبة” عميقة في وجدان المغاربة. فبين آلام الضحايا التي تتحدى النسيان، ومطالب المعتقلين السابقين بتسوية ملفاتهم، تبرز تجربة مغربية رائدة نجحت في تحويل الصدمة إلى نموذج أمني وفكري يحتذى به عالميا.
حتى لا يتكرر ما وقع
“الجراح لن تندمل بالكامل، لكننا تعلمنا كيف نمشي بها”.. بهذه الكلمات تلخص سعاد البكدوري الخمال، رئيسة الجمعية المغربية لضحايا أحداث 16 ماي، في حديثها لجريدة “العمق”، مبرزة أن المسافة الفاصلة بين الانفجار واليوم، مؤكدة أن تخليد الذكرى السنوية “واجب جماعي حتى لا ننسى وحتى لا يتكرر ما وقع”.
وقالت البكدوري التي فقدت زوجها وابنها في هذه الأحداث إن الجمعية تحرص كل سنة على إحياء هذه الذكرى الأليمة بهدف “الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتوعية الأجيال الجديدة بخطورة الفكر المتطرف والإرهاب”، مشددة على أن الألم الذي عاشته أسر الضحايا “تغير مع مرور الزمن لكنه لم يختف”، مضيفة: “تعلمنا أن نعيش مع الفقد، لكن لا يمكن أن ننسى ما وقع، لأن 23 سنة ليست بالأمر السهل”.
وأبرزت المتحدثة أن تجربة التفجيرات دفعت الضحايا وعائلاتهم إلى الانخراط في أعمال التوعية والتحسيس، خاصة وسط الأطفال والشباب، تفاديا لسقوط ضحايا جدد، مؤكدة أن الجمعية تعمل منذ سنوات على نشر ثقافة اليقظة ومواجهة الفكر المتطرف داخل المجتمع.
وفي تقييمها للمقاربة الأمنية المغربية في مكافحة الإرهاب، اعتبرت البكدوري أن السياسة الأمنية التي اعتمدتها المملكة بعد أحداث 16 ماي “أثبتت نجاعتها وأعطت ثمارا مهمة”، مؤكدة أن اليقظة الأمنية الحالية حالت دون تعرض المغرب لهجمات مماثلة، بفضل تعزيز قدرات الرصد والتتبع الاستباقي للخلايا المتطرفة.
كما كشفت رئيسة الجمعية أن بعض الضحايا ما يزالون إلى اليوم يعانون من تداعيات صحية ونفسية خطيرة، موضحة أن إحدى الضحايا “لا تزال تخضع للعلاج والعمليات الجراحية بعد مرور 23 سنة، ولم تستعد صحتها بشكل كامل رغم التحسن المسجل”.
ووجهت البكدوري رسالة امتنان إلى المجتمع المغربي، معتبرة أن تضامن المواطنين خلال تلك المرحلة الصعبة “خفف الكثير من المعاناة”، داعية إلى استمرار التعبئة الجماعية ضد التطرف، لأن “محاربة الإرهاب لا تقتصر على الأجهزة الأمنية فقط، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع”.
جبر الضرر
من زاوية أخرى، قدم عبد الحق مهيم، وهو معتقل سابق مدان بالمؤبد على خلفية أحداث 16 ماي، رواية مغايرة لتلك المرحلة، معتبرا أن الاعتقالات التي أعقبت التفجيرات تحولت إلى “حملة واسعة استهدفت مئات الأشخاص”، واصفا ما جرى آنذاك بأنه “مرحلة استثنائية اتخذت فيها الأحداث مبررا لتوسيع الاعتقالات ومداهمة البيوت”.
وقال مهيم في حديث مع جريدة “العمق”، إن ليلة 16 ماي شكلت “صدمة للشعب المغربي”، مضيفا أنه كان يتساءل حينها “من يقف وراء تلك التفجيرات”، معتبرا أن المغرب “لم يكن يعرف تنظيما مسلحا قادرا على تنفيذ عمليات بهذا الحجم دون اختراق أمني”.
وتحدث المعتقل السابق عن ظروف الاعتقال والتحقيق، قائلا إنه بعد نقله من “معتقل تمارة السري” إلى سجن سلا، واعتقال أزيد من 600 شخص في ظرف وجيز، أدرك أن “الأحكام ستكون قاسية”، مضيفا أن المعتقلين كانوا يعتبرون أن الملف “استخدم لأغراض سياسية”.
كما انتقد مهيم ما وصفه بـ”بطء جبر الضرر ورد الاعتبار” للمعتقلين السابقين، مؤكدا أن ملف 16 ماي “لن يغلق لأن الجرح لا يزال ينزف”، وأن عشرات المعتقلين السابقين يطالبون بإسقاط “وصم الإرهاب” عنهم وتعويضهم ماديا ومعنويا.
وأوضح المتحدث، الذي يشغل عضوية المكتب التنفيذي للتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين سابقا، أن عددا من المعتقلين السابقين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة بعد الإفراج عنهم، داعيا إلى “حل شامل وعادل” لهذا الملف بمشاركة مؤسسات الدولة والأحزاب والهيئات الحقوقية.
ورغم انتقاداته، وجه مهيم رسالة تعزية إلى أسر ضحايا التفجيرات، قائلا: “عظم الله أجركم وألهمكم الصبر والسلوان”، كما دعا الشباب المغربي إلى “التحصن بالعلم والمعرفة والابتعاد عن الغلو والتطرف”.
خطر “الذئاب المنفردة الرقمية”
من جهته، اعتبر الباحث والإعلامي المحجوب داسع أن المغرب نجح، خلال 23 سنة الماضية، في الانتقال من “منطق التدبير الظرفي للخطر الإرهابي” إلى بناء “استراتيجية وطنية شمولية ومندمجة” لمكافحة التطرف والإرهاب، تقوم على مقاربات أمنية ودينية وقانونية واجتماعية وإعلامية.
وأكد داسع في تصريح خص به “العمق”، أن قوة النموذج المغربي تكمن في “المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية وإعادة هيكلة الحقل الديني”، موضحا أن المملكة نجحت في تطوير قدراتها الاستخباراتية وتفكيك عشرات الخلايا الإرهابية، خاصة مع صعود تنظيم “داعش” وتهديد “الذئاب المنفردة”.
وأشار المتحدث إلى أن المغرب أعاد هيكلة مؤسساته الدينية تحت إشراف مؤسسة إمارة المؤمنين، من خلال تنظيم عمل وزارة الأوقاف والمجالس العلمية والرابطة المحمدية للعلماء، بهدف نشر خطاب ديني وسطي ومعتدل يواجه الفكر المتطرف.
وحذر الباحث من أن التهديد الإرهابي اليوم لم يعد تقليديا كما كان سنة 2003، بل تحول إلى “تطرف رقمي” يستغل شبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي لاستقطاب الشباب والمراهقين.
وأوضح أن الجماعات المتطرفة انتقلت من نموذج “الخلايا التقليدية” إلى “الذئاب المنفردة الرقمية”، عبر استغلال الخوارزميات والمنصات المشفرة والمحتويات البصرية الجذابة للتأثير النفسي والفكري على الشباب، معتبرا أن أخطر ما يواجهه العالم اليوم هو “الخلايا النائمة افتراضيا” التي تتحرك داخل الفضاء الرقمي دون بنية تنظيمية واضحة.
وأشار داسع إلى أن المغرب استوعب مبكرا هذا التحول، عبر إطلاق منصات رقمية للتبليغ عن المحتويات الإرهابية وتعزيز التعاون الأمني الدولي، داعيا في المقابل إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مضادة، وإدماج الثقافة الإعلامية والرقمية داخل المناهج التعليمية لتحصين الأجيال الجديدة.
كما شدد على أهمية توظيف شهادات الناجين وضحايا الإرهاب داخل المنصات الرقمية لإنتاج “خطاب مضاد” للتطرف، يعتمد على القصص الإنسانية الحقيقية والكبسولات الرقمية المؤثرة القادرة على مخاطبة “الأجيال الرقمية” بلغتها وأساليبها.
ورغم تأكيده أن المغرب نجح في الحد من تكرار سيناريو 16 ماي، شدد داسع على أن التهديد الإرهابي “ما يزال قائما بأشكال جديدة”، خاصة في ظل التحولات الأمنية بمنطقة الساحل وتصاعد التهديدات السيبرانية والتطرف الرقمي، مؤكدا أن “اليقظة تبقى واجبة لأن الإرهاب ظاهرة متحولة وعابرة للحدود”.
المصدر:
العمق