تتزايد في الآونة الأخيرة التحذيرات المرتبطة بتنامي التهديدات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء، في ظل تشابك معقد بين النزاعات الانفصالية وشبكات الجريمة العابرة للحدود والتنظيمات المتطرفة التي تنشط في بيئات تعاني من الهشاشة الأمنية وغياب الاستقرار السياسي. كما باتت التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة تفرض إعادة قراءة طبيعة التحالفات القائمة وانعكاساتها على الأمن الإقليمي والدولي.
وخلال الأشهر القليلة الماضية برزت مؤشرات متزايدة على تغير موازين النفوذ داخل منطقة الساحل، خاصة مع التحولات الدبلوماسية التي قادتها بعض الدول الإفريقية تجاه ملف الصحراء المغربية، مقابل تصاعد النقاش حول الأدوار التي تلعبها بعض الأطراف الإقليمية في تغذية بؤر التوتر وإعادة تشكيل خرائط النفوذ عبر توظيف الجماعات المسلحة وشبكات التهريب كورقة ضغط ضمن صراعات النفوذ الجيوسياسي.
وفي هذا السياق، قال عبدالوهاب الكاين، رئيس منظمة أفريكا ووتش والكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إن البعد الأكثر إثارة للقلق في صراع القوى الإقليمي بشمال إفريقيا يتمثل في التلاشي الوظيفي للحدود بين الاستراتيجية الرسمية للدولة الجزائرية، والمشروع الانفصالي لجبهة البوليساريو، والمنظومات الجهادية النشطة في الساحل، معتبرا أن هذا المعطى برز بشكل جلي عقب إعلان جمهورية مالي سحب اعترافها بالكيان الانفصالي ودعمها لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس وحيد وجدي وواقعي لحل النزاع.
وأضاف رئيس المنظمة الحقوقية، بناء على رصد مؤشرات الحكامة بالمنطقة، أن المناطق المتاخمة للصحراء المغربية التي تعاني من هشاشة أمنية، وتحديدا شمال موريتانيا ومخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، تحولت إلى حواضن كبرى لتهريب المخدرات والسلع وتداول الأسلحة، مبرزا وجود أدلة متزايدة توثق صلات خطيرة بين المنظمات الإجرامية وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والصحراويين القاطنين بالمخيمات، وهي روابط مرشحة للتفاقم مع استمرار تدهور الأوضاع هناك.
وأوضح المتحدث ذاته في تصريح لجريدة العمق” أن التجسيد الأبرز لهذا التقاطع الخطير يمثله مسار عدنان أبو وليد الصحراوي، الإطار السابق في جبهة البوليساريو الذي أسس تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وهندس كمينا في النيجر عام 2017 أودى بحياة أربعة جنود أمريكيين، مشيرا إلى أن هذه الحالة تعكس مآلا حتميا لشباب يائس يرى في التنظيمات المسلحة قوة قادرة على تحقيق ما عجزت عنه قيادة الجبهة لعقود عبر استهداف المغرب.
وأكد التقرير الحقوقي أن انتشار التطرف في الساحل والفوضى والإفلات من العقاب في تندوف يسهل تجنيد عناصر البوليساريو، مما يجعلها اليوم من أبرز التهديدات للسلم الإقليمي والدولي، محذرا من الخطورة البالغة لما يمكن أن تشكله المخيمات من محطات عبور لنقل أسلحة متطورة تشمل طائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي محمولة وتوجيهها لفروع تنظيم الدولة والقاعدة، وذلك استنادا إلى تقييمات الاستخبارات الأمريكية للسنتين الماضيتين.
وكشف المصدر أن الجزائر تواجه اتهامات بممارسة لعبة مزدوجة تقوم على إدانة الإرهاب علنا والتفاوض مع المتطرفين وتمكينهم سرا، مستدلا بتقارير تفيد بضبط القوات المالية والفرنسية لأسلحة جزائرية المنشأ بحوزة تنظيمات إرهابية، وناقلا رؤية مسؤولين أمنيين في الساحل يعتبرون الإرهاب تصديرا جزائريا بحكم انتماء معظم قادة القاعدة بالمنطقة للجزائر التي تستخدم هذا الملف تاريخيا عبر دعم تمردات الطوارق لمواجهة نفوذ قوى أخرى كليبيا سابقا.
وتابع الكاين بأن المجالس العسكرية في باماكو ونيامي وواغادوغو تفطنت مؤخرا لاستفادة الجزائر من عدم استقرار الساحل للحفاظ على دورها كمحاور أمني، وهو ما يفسر طرد القوات الفرنسية واللجوء إلى فاغنر وانفتاح مالي على المغرب، مشددا على تواتر الأدلة التي تثبت تورط الجزائر في الهجمات الإرهابية بمالي وتوريدها الأسلحة والمعلومات لجبهة تحرير أزواد، ووجود جالية طوارقية مالية بتندوف اندمجت في نسيج المخيمات بعد قتالها ضد المغرب قبل سنة 1991، مما لا يستبعد وجود عناصر انفصالية في الصراع المالي.
واعتبر الكاتب العام للتحالف أن تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية خطوة حاسمة لكشف وعزل استراتيجية زعزعة الاستقرار التي تنهجها الجزائر، وتوجيه رسالة أمريكية حازمة ترفض التشدد المدعوم من الدول تحت غطاء التحرر، مؤكدا أن هذا التصنيف سيقلص تدفق الأسلحة للجهاديين ويقوي الشراكات الأمريكية الإفريقية بالاعتماد على المغرب كحجر زاوية من خلال تبادل الاستخبارات ومناورات الأسد الإفريقي.
وأشار التقرير إلى أن إعلان وزير خارجية مالي عقب لقائه بناصر بوريطة في باماكو لم يكن حدثا عابرا بل تتويجا لاصطفاف جيوسياسي عميق يضرب أسس الهيمنة الجزائرية، مبرزا أن هذا التحول يعكس براغماتية اقتصادية تضع باماكو كمستفيد من التنمية التي سيجلبها حل النزاع، ويمثل حكما استراتيجيا بتراجع دور الجزائر كقوة فاعلة بعد تفكك اتفاق 2015 وفشل وساطاتها المرفوضة لاتهامها باستضافة المتمردين لحماية منشآتها النفطية.
وسجل المصدر ذاته أن فقدان الجزائر لنفوذها نتج عن انسحاب مالي من اتفاق الجزائر في شهر يناير من سنة 2024 ورفض النيجر لمقترح جزائري في شهر أكتوبر من سنة 2023 وتهميشها لصالح مجموعة فاغنر، في حين تحرك المغرب لملء الفراغ بنهج يرتكز على الاستثمار والدبلوماسية، وهو ما تجلى في المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لمنح دول الساحل الحبيسة وصولا للمحيط الأطلسي، والتي جدد وزراء خارجية هذه الدول دعمهم لها بالرباط في شهر أبريل من سنة 2025.
وشدد المتحدث على أن التنافس الدبلوماسي وسباق التسلح يضعان المصالح المغربية موضع استهداف ممنهج، خاصة مع نجاح مشاريع كأنبوب الغاز مع نيجيريا، مبرزا أن هجمات البوليساريو العشوائية ضد السمارة وتحول مالي الدبلوماسي ليستا ظواهر معزولة بل مواجهة بين رؤيتين، ومشيرا إلى أن التوترات فاقمت تعطيل التجارة الرسمية وأنعشت شبكات الجريمة القادرة على رشوة السلطات لتسهيل حركة المقاتلين ونقل الأسلحة.
وخلص الحقوقي إلى أن تقاطع تحركات الجماعات المتطرفة مع الحسابات السياسية الجزائرية هو منطق اشتغال تاريخي لنظام حافظ على غموض وظيفي بين مكافحة الإرهاب واستخدام المسلحين لبسط النفوذ، محذرا من تزايد لجوء الجزائر لزعزعة الاستقرار بعد فقدان مالي والنيجر وتمدد نفوذ المغرب، وداعيا المجتمع الدولي إلى تسمية هذه الديناميكية بوضوح وبناء إطار أمني للتعامل مع التهديد الساحلي كحملة متماسكة من الضغوط غير المباشرة التي تمارسها الجزائر بوعي وإصرار.
المصدر:
العمق