اعتبر عبد الوهاب الكاين، رئيس المنظمة الإفريقية لمراقبة حقوق الإنسان (أفريكا ووتش)، أن البيان الأخير الصادر عن جبهة البوليساريو عقب زيارة السفير الأمريكي لمدينة الداخلة، يمثل نموذجا لما وصفه بالارتباك الاستراتيجي والازدواجية المعيارية، مبرزا تقاطع صدور هذا الموقف زمنيا مع استهداف حركي مباشر لأحياء مدنية في مدينة السمارة المغربية عبر مقذوفات متفجرة تسببت في إصابات بين الأبرياء.
وسجل المتحدث مفارقة صارخة بين خطاب الجبهة الانفصالية الذي يتحدث عن الشرعية الدولية، وبين ممارساتها الميدانية التي تنتهك أسمى قواعد القانون الدولي الإنساني وعلى رأسها مبدأ التمييز وحماية المدنيين، مبينا أن المفردات الحقوقية في قاموس الجبهة تستعمل كصكوك ديبلوماسية لتبرير تكتيكات العنف، مما يحول السردية الحقوقية من غاية إنسانية إلى درع لتغطية ما اعتبره إخفاقا في المسار السياسي.
وأوضح الكاين في تصريح لجريدة “العمق” أن البيان المذكور يعمد إلى تزييف المشهد عبر قلب الحقائق، من خلال وصف الزيارات الديبلوماسية الدولية للأقاليم الجنوبية للمملكة بأنها انتهاك للعملية الدولية، مع التجاهل التام لمسؤولية الجبهة عن “جرائم حرب” موثقة ميدانيا، مشيرا إلى أن هذا التوجه نحو تسييس الجغرافيا ومحاولة تجريم الانفتاح الديبلوماسي والاقتصادي بالمنطقة يعكس عجزا بنيويا عن استيعاب التحولات الجيوسياسية الراهنة، في ظل تجاوز واقع الشرعية الدولية المعاصر لمطالب الجبهة عبر قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي كإطار وحيد وحصري للتسوية.
وأكد الكاين الذي يشغل أيضا منصب الكاتب العام لتحالف المنظمات الصحراوية غير الحكومية أن ادعاءات الجبهة بالتعاون بحسن نية مع جهود السلام تنهار أمام تبنيها الرسمي لعمليات القصف الممنهج، وهو السلوك الذي وضعها في مواجهة مباشرة مع القوى العظمى وتجلى في الرد الحازم لبعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة التي اعتبرت هذه الأعمال متعارضة مع روح المحادثات الأخيرة، مضيفا أن هذا النهج يمنح قوة دفع قانونية للمطالب المتصاعدة داخل الكونغرس الأمريكي ومنظمات حقوقية دولية لتصنيف البوليساريو “منظمة إرهابية أجنبية” بسبب توظيفها العنف ضد الحواضر المدنية كأداة للضغط السياسي.
وأشار المصدر عينه إلى وجود تناقض جوهري في خطاب الجبهة حول مقاومة الاستعمار، مبرزا أن هذه الحركة تعمل كفاعل بالوكالة تحت رعاية لوجستية وعسكرية جزائرية موثقة بتقارير استخباراتية وإعلامية كشفت عن تزويدها بمسيرات وذخائر متطورة، ومشددا على أن الحديث عن تقرير المصير يصبح ضربا من النفاق السياسي حين يصدر عن تنظيم يتجاهل قمع الأقليات والحراكات المدنية في الدولة الحاضنة له، مما ينقل القضية لخدمة أجندات إقليمية تهدف لاستنزاف المغرب وزعزعة استقرار الرواق الأطلسي.
وخلص المتحدث إلى اعتبار بيان البوليساريو وثيقة إدانة ذاتية تثبت للمجتمع الدولي الاستخدام النفعي للخطاب الإنساني لتغطية انتهاكات جسيمة فوق الأرض، مؤكدا أن صورة واحدة للضحايا المدنيين في السمارة تكفي لتفنيد كل تلك الادعاءات، ومبرزا في ختام تصريحه أن استمرار هذا النهج سيعمق العزلة الدولية للكيان الانفصالي ويثبت أن زمن المناورة بالعنف قد ولى أمام واقعية ديبلوماسية وتنموية مغربية لا رجعة فيها.
المصدر:
العمق