في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أجمع كسابون مهنيون خلال فعاليات المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، على أن الموسم الحالي يشكل نقطة تحول إيجابية في وضعية القطيع الوطني. ورغم الضغوط المستمرة لغلاء الأعلاف وتحديات الموارد المائية، تبرز السلالات المحلية كـ”صمام أمان” يضمن وفرة الأضاحي وجودة اللحوم، وسط تفاؤل حذر باستقرار الأسعار وتوازن العرض والطلب.
في هذا الإطار، يتحدث عبد الله برخاخ وهو كساب من “تازناخت” بإقليم ورزازات، لجريدة “العمق” بنبرة تملؤها الطمأنينة الممزوجة بالواقعية، حيث أشار إلى أن التساقطات المطرية الأخيرة لم تكن مجرد أرقام في سجلات الأرصاد، بل كانت بمثابة “قبلة الحياة” للمراعي الجبلية التي تعتمد عليها تربية الماشية بشكل حيوي.
وأكد برخاخ أن وضعية القطيع تحسنت بشكل ملموس مقارنة بالعام الماضي الذي كان “سنة كبيسة” على المربين. فالأمطار ساعدت على توفر الكلأ الطبيعي، مما خفف العبء المادي عن الكسابين. ومع ذلك، لا يزال التحدي المائي قائما؛ حيث يضطر المربون في المناطق المنخفضة إلى التنقل بقطعانهم لمسافات طويلة بحثا عن نقاط الماء، وهو ما يزيد من كلفة التدبير اليومي.
إلى إقليم خريبكة، وتحديدا مدينة أبي الجعد، نجد الكساب مبارك العبيدي الذي يمارس هذه المهنة منذ عام 1996، يدافع بشراسة عن سلالة “الخروف الأصفر” المحلية. واعتبر العبيدي في حديث مع “العمق”، أن هذه السلالة ليست مجرد ماشية، بل هي “تكنولوجيا بيولوجية” طبيعية قادرة على تحمل تقلبات المناخ بين حر الصيف وقر الشتاء.
وكشف الكساب ذاته عن معطى هام يطمئن المستهلك المغربي: “الأضاحي متوفرة بكثرة”، مشيرا إلى أن ما يروج حول الندرة هو انطباع خاطئ ناتج عن عدم خروج القطيع بشكل كامل للأسواق العامة، حيث يفضل الكثير من الكسابة الاحتفاظ بالأغنام داخل “الكوارِي” حتى نضج فترة التسويق.
وما يميز هذا الموسم في أبي الجعد، بحسب العبيدي هو الأوزان القياسية، حيث يصل وزن “الخروف التني” إلى 130 كيلوغراما، بينما يتجاوز “الفحل الكبير” عتبة 160 كيلوغراما، مما يعكس جودة التغذية والعناية التقنية التي يشرف عليها المربون بالتعاون مع الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز.
وفي حديث ذو شجون عن سلالة “السردي”، يؤكد الكساب فريد معروف للجريدة، أن هذه السلالة تعد مفخرة وطنية و”نتاجا محليا مئة في المئة”. ويصف معروف السردي بأنه “الخيار الأول” الذي لا يمكن تعويضه، مشددا على أن الحفاظ على نقائه هو بمثابة الحفاظ على جزء من الهوية الوطنية.
ويصف المتحدث السنة الجارية بأنها “عام خير” بامتياز، خاصة بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، مبرزا أن تضافر التساقطات مع الدعم الحكومي للأعلاف خلق نوعا من التوازن المفقود. ومع ذلك، يضع معروف إصبعه على الجرح الذي يؤرق الكسابين: “غلاء الأعلاف المركبة”.
بالرغم من توفر العشب في المراعي، إلا أن مرحلة “التسمين” التي تسبق عيد الأضحى بـ 4 أشهر تتطلب خلطات من الشعير والذرة والصوجا، وهذه المواد مرتبطة بالأسعار الدولية وتكاليف النقل، مما يرفع تكلفة الإنتاج النهائي بشكل يضغط على هامش ربح المربي.
مصدر الصورة
وتتصدر سلالة “البركي” المشهد الفلاحي بالجهة الشرقية كواحدة من أصمد السلالات المحلية القادرة على التأقلم مع برودة الجبال وقسوة المناطق شبه الجافة، حيث تعتمد في نظامها على الرعي المفتوح والكلأ الطبيعي.
ورغم جودة لحمها العالية التي تمنحها قيمة تسويقية متميزة، إلا أن المربين يواجهون تحدي كلفة الإنتاج المرتفعة؛ إذ قد تصل مصاريف الأعلاف لقطيع متوسط إلى نحو 120 ألف درهم سنويا، مما يفرض نظاما دقيقا في العناية والإيواء لضمان استدامة هذا الموروث الرعوي.
وسجل المهنيون في تصريحات متفرقة لـ”العمق” طفرة نوعية في أوزان خراف “البركي” بفضل تطوير تقنيات التربية، حيث قفز متوسط الوزن من 70 كيلوغراما في السنوات الماضية إلى قرابة 150 كيلوغراما حاليا، وهو ما مكنها من حصد جوائز كبرى في التظاهرات الفلاحية. ويخضع انتقاء القطيع لمعايير صارمة تشمل توازن البنية وجودة الصوف واللون، لضمان الحفاظ على نقاء السلالة التي تتقاطع في خصائصها مع صنف “تمحضيت” الأطلسي.
وفي سياق متصل، زكى أحمد عفيفي، كساب من قلعة السراغنة، هذا التوجه نحو تثمين السلالات المحلية، مؤكدا أن صنف “السردي” يظل بدوره الخيار الأول لمربي منطقته لمواجهة تقلبات المناخ.
وأوضح عفيفي أن الاعتماد على موروث الآجداد، سواء في الشرق مع “البركي” أو في الحوز والشاوية مع “السردي”، يمثل خيارا استراتيجيا لا بديل عنه لتحقيق الأمن الغذائي، مشددا على أن تحسن الأوزان والوفرة المسجلة هذا الموسم تعكس نجاح الكساب المغربي في كسر حلقة الجفاف عبر الاستثمار في جودة السلالات الأصيلة.
المصدر:
العمق