آخر الأخبار

” 12 شاهدا خارج سياق الواقع”.. المجلس الاقتصادي ينتقد شهادة اللفيف بقانون العدول

شارك

وجه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي انتقادات لاستمرار العمل بشهادة اللفيف ضمن مشروع قانون 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، معتبراً أن هذه الآلية التقليدية في الإثبات، رغم تقنينها لأول مرة، لم تعد تواكب التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، ولا تستجيب لمتطلبات الإثبات الحديث وضمانات الأمن القانوني، في ظل ما تطرحه من إشكالات عملية متكررة على مستوى التطبيق.

وأشار المجلس، في رأي له حول مشروع قانون رقم 16.22 يتعلق بتنظيم مهنة العدول، إلى أن الإبقاء على شرط حضور 12 شاهداً يكرّس مفارقة واضحة مع الواقع الديموغرافي والاجتماعي الراهن، الذي يتسم بتقلص حجم الأسر وتزايد الهجرة، ما يجعل استيفاء هذا العدد من الشهود أمراً معقداً في العديد من الحالات، داعياً في المقابل إلى مراجعة هذا النظام بما ينسجم مع التحولات الجارية، ويعزز اعتماد وسائل إثبات أكثر نجاعة وملاءمة للتطورات القانونية والتكنولوجية.

واعتبر المجلس أن مشروع القانون رقم 16.22 كرس نفس المقاربة التي اعتمدها القانون الجاري به العمل، أي القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، فيما يخص خطاب القاضي، وثنائية التلقي وشهادة اللفيف، وذلك لما تثيره هذه المقتضيات حسب الممارسين، من إشكالات عملية متعددة تنعكس سلباً على حقوق الأفراد ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المشروعة وتمس كذلك بحق العدول في مزاولة مهنتهم بصفة مستقلة، وفي ظروف ملائمة.

إشكالات مرتبطة بشهادة اللفيف

لفت المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن شهادة اللفيف تعد من الخصوصيات البارزة في نظام الإثبات بالتشريع المغربي، إذ تقوم على شهادة جماعة من الأشخاص للإدلاء بمعطيات تتعلق بوقائع أو تصرفات يصعب إثباتها بالوسائل الاعتيادية. وقد استمدت هذه الآلية جذورها من الفقه المالكي، واعتمدها المشرع في إطار التوثيق العدلي لإثبات وقائع ذات طابع اجتماعي أو واقعي، استناداً إلى تغليب القرائن المستمدة من الشهادة الجماعية، رغم ما تثيره من نقاش قانوني متواصل بشأن مدى ملاءمتها لمتطلبات الإثبات الحديثة وضمانات الأمن القانوني.

ومن أبرز الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى شهادة اللفيف، إثبات الحيازة والتصرف في العقارات غير المحفظة أو التي لم يوثق التصرف فيها كتابة، وإثبات الحالة المدنية أو العائلية في بعض الوقائع التقليدية مثل الزواج أو النسب أو إنجاز رسوم الإراثة، فضلاً عن إثبات الملك أو الانتفاع بناءً على الاستعمال الطويل أو الشهرة، وإثبات بعض الوقائع الاجتماعية التي يصعب توثيقها بوسائل أخرى، كالسكنى أو الاستغلال الفعلي لعقار.

وسجل المجلس أن مشروع القانون رقم 16.22 أدرج لأول مرة مقتضيات صريحة لتقنين وتنظيم شهادة اللفيف، من خلال التنصيص على عبارة “شهادة جمع من الناس” في المادة 66، بما يشمل الرجال والنساء معاً. كما أشار إلى استعداد الجهة الحكومية صاحبة المشروع لقبول تعديلات تكرس التنصيص الصريح على شهادة النساء إلى جانب الرجال، بما يضمن توحيد الفهم بين مختلف المتدخلين في إنفاذ القانون.

وفي مقابل ذلك، أبقى المشروع على شرط حضور 12 شاهداً، وهو ما يطرح، وفق رأي المجلس، صعوبات عملية متزايدة في ظل التحولات الديموغرافية التي يشهدها المغرب، من بينها تراجع مؤشر الخصوبة وتقلص حجم الأسر، إلى جانب الهجرة، خاصة في الوسط القروي، وهو ما قد يعيق استيفاء هذا الشرط في عدد من الحالات.

كما أشار المجلس إلى أن المشروع، رغم محاولته الحد من النزاعات المرتبطة بتراجع الشهود عن شهاداتهم عبر مقتضيات قانونية محددة، لم يعتمد وسائل حديثة مثل تسجيل الشهادات بالصوت والصورة أو تلقيها عن بعد باستخدام الوسائط الرقمية، مع ضمان التحقق من هوية الشهود وحماية معطياتهم الشخصية. واعتبر أن تعميم نظام التحفيظ العقاري ورقمنة الحالة المدنية من شأنه تقليص اللجوء إلى شهادة اللفيف لفائدة وسائل إثبات أكثر ملاءمة للأنظمة القانونية الحديثة.

ملاحظات حول منظومة التوثيق العدلي وتحديث مهنة العدول

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول جاء محمّلاً بعدد من المستجدات التشريعية التي تروم عصرنة هذه المهنة، حيث تعكس تسميته في حد ذاتها توجهاً نحو تكريس الاعتراف القانوني بالعدول باعتبارهم يمارسون مهنة قائمة الذات، وليس مجرد خطة تقليدية.

كما أبرز المجلس أن المشروع يتضمن مقتضيات مهمة تهم تطوير التكوين الأساسي والمستمر، وتوظيف الرقمنة، وتحديث وسائل العمل، وإرساء التأمين عن المسؤولية المدنية، إلى جانب تعزيز الحماية القانونية للعدل، بما يسهم في تطوير الممارسة المهنية.

غير أن المجلس، استناداً إلى آراء مهنيين وخبراء تم الاستماع إليهم، سجل أن المشروع لم يذهب بعيداً في وتيرة تحديث مهنة التوثيق العدلي، بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي، والتي انعكست بدورها على البنية البشرية للمهنة بانفتاحها على كفاءات جديدة ومتنوعة مقارنة بالنموذج التقليدي.

كما لاحظ الإبقاء على عدد من المقتضيات الإجرائية التي كانت موضوع نقاش سابق ضمن الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، خاصة من حيث مدى انسجامها مع المستجدات الوطنية والمعايير الدولية المؤطرة لمهن التوثيق.

غياب آلية لتدبير الودائع

لفت المجلس إلى أن بعض المساطر المرتبطة بالعقود العدلية، كخطاب القاضي وإجراءات التسجيل، تؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر استكمال الإجراءات بعد توقيع الأطراف، وهو ما قد ينجم عنه تعطيل إضفاء الطابع الرسمي على الوثائق، خاصة في المعاملات المرتبطة بالعقار أو الأصول التجارية، بما قد يؤثر سلباً على حقوق المتعاقدين.

وسجل في هذا الصدد أن مشروع القانون رقم 16.22 لا يتضمن مقتضيات صريحة تتيح للعدول آلية قانونية مؤطرة وفعالة لتدبير الودائع، بما يضمن حماية حقوق الأطراف ومنع أي تصرف غير مشروع في الأموال إلى حين استكمال المساطر القانونية، وذلك في انسجام مع توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة.

الإبقاء على المقاربة التقليدية القائمة على العمل الورقي

أبرز المجلس أن مشروع القانون يعكس نوعاً من التردد بين الإبقاء على المقاربة التقليدية القائمة على العمل الورقي، وبين التوجه نحو الرقمنة. فبالرغم من التنصيص على إمكانية مسك السجلات على دعامة ورقية أو إلكترونية، وإلزام العدول بإعداد تقارير سنوية مفصلة وإيداعها لدى المجالس الجهوية، إلى جانب تقارير تركيبية ترفع إلى جهات متعددة، فإن هذه المقاربة تطرح تساؤلات حول جدوى استمرار آليات تقليدية في ظل الإمكانيات التي تتيحها الرقمنة لتجميع المعطيات بشكل فوري وآني.

وأشار إلى أن التحول الرقمي من شأنه تمكين العدول وهيئاتهم من تدبير المعلومات والإحصائيات بكفاءة أكبر، دون الحاجة إلى مساطر ورقية إضافية، بما يعزز النجاعة والشفافية داخل المنظومة.

وسجل المجلس أن المشروع يكرس تعددية في أجهزة الرقابة على العدول، من خلال إخضاعهم لمراقبة قاضي التوثيق والمجالس الجهوية والوكيل العام للملك، إضافة إلى المصالح المالية ولجان التفتيش التابعة لوزارة العدل. واعتبر أن هذه المقاربة تظل تقييدية مقارنة بالتوجهات الحديثة التي تميل إلى تعزيز المسؤولية المهنية الفردية وتبسيط آليات المراقبة، خاصة في سياق الرقمنة.

وفي ما يتعلق بالمسطرة التأديبية، أشار المجلس إلى أن المشروع أسند اختصاص البت في المتابعات التأديبية إلى غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف، في إطار تشكيل قضائي صرف، دون إشراك المهنيين، خلافاً لتوصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة التي دعت إلى إحداث هيئة مختلطة ذات طابع قضائي ومهني.

كما لفت إلى أن إمكانية الطعن بالنقض تظل قائمة وفق القواعد العامة، غير أن بعض المقتضيات، مثل إعفاء طعن الوكيل العام للملك من الرسوم القضائية وتقديمه دون محام، تثير تساؤلات حول مدى تكريس مبدأ تكافؤ الضمانات، بما ينسجم مع متطلبات المحاكمة العادلة كما ينص عليها الدستور.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا