في خضم النقاش البرلماني المتصاعد حول مشروع قانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، تقدمت فرق ومجموعة المعارضة بمجلس النواب، إلى جانب النائبة فاطمة التامني، بحزمة تعديلات برلمانية تروم إعادة صياغة أسس التنظيم الذاتي للمهنة على نحو يضمن ديمقراطية التمثيلية ويعزز استقلالية القطاع.
وحسب مصفوفة تعديلات قوى المعارضة النيابية التي اطلعت عليها جريدة “العمق المغربي”، فقد شكلت المادة الخامسة المتعلقة بتأليف المجلس محورا رئيسيا في التعديلات المقترحة، حيث طالبت مجموعة العدالة والتنمية باعتماد نمط الاقتراع باللائحة وفق التمثيل النسبي على أساس أكبر بقية، لانتخاب ممثلي الصحافيين، مع مراعاة تمثيلية الإعلام الجهوي والعمومي.
وفي الاتجاه ذاته، اقترحت النائبة التامني اعتماد مبدأ التناوب بين الجنسين داخل اللوائح الانتخابية، بما يعزز حضور النساء داخل المجلس ويحد من هيمنة فئات بعينها. كما دعت إلى وضع ضوابط تحول دون تركيز النفوذ داخل المؤسسة.
أما بخصوص لجنة الإشراف المنصوص عليها في المادة 20، فقد اقترح الفريق الحركي توحيد آلية اختيار أعضائها عبر الانتخاب، بما يشمل فئة الناشرين، وذلك لإنهاء ما وصف بازدواجية المشروعية بين الأعضاء المنتخبين والمنتدبين. كما شملت التعديلات مقترحات لتوسيع تركيبة اللجنة لتضم مؤسسات تعنى بالحكامة والنزاهة.
وأجمعت فرق ومجموعة المعارضة بمجلس النواب على ضرورة إعادة النظر في فلسفة مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بشكل شامل، وفتح حوار وطني يضم مختلف المهنيين، بهدف بلورة نص قانوني يكرس فعليا التنظيم الذاتي المستقل، ويعزز حرية التعبير والتعددية، بعيدا عن منطق الهيمنة والاحتكار، وبما يخدم المسار الديمقراطي بالمغرب.
وسجلت المعارضة خلال المناقشة العامة لمشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بلجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، على أن النص الحالي، رغم طابعه التنظيمي، يحمل في طياته “مخاطر نكوصية” تهدد استقلالية الصحافة وتفتح الباب أمام هيمنة الرأسمال على حساب التعددية والديمقراطية المهنية.
وضمن مصفوفة تعديلاتها شددت مكونات المعارضة ضرورة تدقيق المفاهيم المؤطرة للمشروع، باعتبارها مدخلا أساسيا لتفادي أي تأويل قد يفتح الباب أمام إدماج هيئات غير مؤهلة داخل المنظومة. وفي هذا السياق، أكدت النائبة فاطمة التامني على أهمية تعريف “المنظمة المهنية” بشكل صريح باعتبارها جمعية مؤسسة وفق التشريع الجاري به العمل، بما يضمن حماية التنظيمات القائمة من الإقصاء أو التهميش.
من جهته، دعا الفريق الحركي إلى التنصيص على شرط “التمثيلية الفعلية”بالنسبة للمنظمات المهنية، بهدف الحد من تعدد الهيئات الشكلية غير الفاعلة. كما أجمعت مكونات المعارضة على ضرورة إدراج تعريف واضح لـ”المنظمة النقابية”، باعتبارها الإطار الشرعي لتمثيل الصحافيين المهنيين، بما يحقق توازنا داخل تركيبة المجلس.
في محور الاختصاصات، دفعت التعديلات نحو تكريس دور الرقابة البرلمانية على المجلس، حيث اقترح الفريق الاشتراكي إلزامه بعرض تقريره السنوي أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال، مع نشره للعموم داخل أجل محدد لا يتجاوز 30 يوما.
كما دعا الفريق الحركي إلى توسيع مضمون التقرير ليشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للصحافيين، إلى جانب الجوانب الأخلاقية، بما يتيح تقديم صورة شاملة عن واقع المهنة. وفي ما يتعلق ببطاقة الصحافة المهنية، شددت المعارضة على ضرورة إخضاع مسطرة منحها وتجديدها لمعايير موضوعية وشفافة منصوص عليها قانونا.
ولم تغفل التعديلات النيابية لمكونات المعارضة، أهمية توسيع مجال استشارة المجلس، حيث طالبت بمنحه صلاحية إبداء الرأي ليس فقط في مشاريع القوانين الحكومية، بل أيضا في مقترحات القوانين ذات الصلة بالمجال الإعلامي.
وعلى مستوى المسطرة التأديبية، اقترحت النائبة التامني إقرار إلزامية تحرير محاضر رسمية لاجتماعات لجنة الأخلاقيات والقضايا التأديبية، موقعة من طرف جميع الأعضاء الحاضرين، تكريساً لمبدأ الشفافية.
وفي السياق ذاته، دعت مجموعة العدالة والتنمية إلى تفعيل آليات تنفيذ العقوبات، من خلال التنصيص على إحالة حالات الامتناع عن إرجاع بطاقة الصحافة المهنية، بعد صدور قرار نهائي بسحبها، على النيابة العامة المختصة، لضمان احترام قرارات المجلس.
وتشدد مكونات المعارضة بمجلس النواب على الارتقاء بالمجلس الوطني للصحافة من هيئة تنظيمية إلى مؤسسة حكامة قائمة على الشرعية الانتخابية، وخاضعة للمساءلة البرلمانية، وقادرة على حماية استقلالية المهنة وصون كرامة الصحافيين، في سياق يتسم بتحديات متزايدة تواجه القطاع الإعلامي.
في غضون ذلك، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، السيد محمد المهدي بنسعيد، أن الحكومة تفاعلت بإيجابية مع ملاحظات المحكمة الدستورية بخصوص مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرا ذلك “تمرينا ديمقراطيا ودستوريا مهما”.
وأوضح بنسعيد، خلال اجتماع للجنة التعليم والثقافة والاتصال، خصص للمناقشة العامة والتفصيلية لمقتضيات مشروع القانون، في سياق التفاعل مع قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 وما ترتب عنه من إعادة النظر في عدد من آليات تنظيم المهنة وتركيبة المجلس، أن هذا المسار لا يطرح إشكالا، بل يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس سمو الدستور.
وبعد أن أشار إلى أن المشروع السابق أ عد في إطار رؤية سياسية قائمة على تشاورات موسعة شملت مختلف الفاعلين، سجل الوزير أن النص الجديد خضع لتعديلات على مستويين، أحدهما جوهري والآخر شكلي، بما يضمن ملاءمة أكبر مع المقتضيات الدستورية.
وأكد أن الهدف الأساسي من هذا الإصلاح يتمثل في ضمان استمرارية عمل المجلس الوطني للصحافة وتجاوز الإشكالات التدبيرية التي طبعت التجربة السابقة، خاصة ما يتعلق بتدبير الدعم ومعالجة الاختلالات المرتبطة بالعمل اليومي للصحفيين، إلى جانب مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، لاسيما المرتبطة بالنموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية.
المصدر:
العمق