آخر الأخبار

دراسة: مصير المهاجرين بفرنسا تحكمه موازين القوة الدبلوماسية مع المغرب والجزائر وتونس

شارك

خلصت دراسة حديثة إلى أن مصير آلاف المهاجرين المغاربيين في فرنسا لا تحدده فقط أوضاعهم القانونية، بل تحكمه بالأساس موازين القوة الدبلوماسية بين باريس وكل من المغرب والجزائر وتونس، حيث تتحول سياسات الترحيل إلى امتداد مباشر للعلاقات السياسية بين الدول، أكثر من كونها مجرد تدبير إداري للهجرة.

الدراسة التي أنجزها الباحث المغربي حسن بنطالب ضمن منصة “MigraPress”، كشفت أن الإحصائيات الصادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية بشأن إبعاد المهاجرين غير النظاميين خلال سنة 2025 تعكس “بناء سياسيا” لواقع الهجرة، وليس مجرد توصيف محايد له، مشيرة إلى أن الأرقام تستخدم كأداة لتوجيه السياسات وتبريرها.

وكشفت معطيات الدراسة أن نحو 84 ألف مهاجر من دول المغرب الكبير (المغرب، الجزائر، تونس) تم توقيفهم خلال سنة 2025، أي ما يمثل حوالي %44 من مجموع التوقيفات، مقابل حوالي 6200 عملية ترحيل فقط، ما يعكس فجوة كبيرة بين إجراءات المراقبة وفعالية الإبعاد.

ويقف تحليل الدراسة على مفارقة كمية لافتة، تتجلى أساسا في كون الجزائريين يمثلون وحدهم %26.6 من مجموع الموقوفين في فرنسا سنة 2025، ومع إضافة المغاربة والتونسيين، يصل العدد إلى 84 ألف توقيف.

وبذلك تشكل هذه الدول “النواة الصلبة” للإحصاء الزجري الفرنسي، حيث إن هذا الحضور المفرط حقيقي، لكنه أيضاً ناتج عن سياسات استهداف أمني.

وترى الدراسة أن هذا التفاوت لا يمكن تفسيره بعوامل قانونية أو إدارية فقط، بل يرتبط أساسا بمدى تعاون الدول الأصلية في تسليم تصاريح المرور القنصلية، وهي وثائق حاسمة لتنفيذ قرارات الترحيل.

المغرب.. تعاون يعزز الإبعاد

ففي الحالة المغربية، سجلت الدراسة ارتفاعا في عمليات ترحيل المواطنين المغاربة بنسبة تفوق %20 خلال سنة واحدة، معتبرة أن هذا التطور مرتبط بشكل مباشر بتحسن العلاقات الثنائية بين الرباط وباريس، خاصة بعد اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء.

وأوضحت أن هذا التقارب السياسي انعكس على مستوى التعاون القنصلي، حيث باتت السلطات المغربية أكثر انخراطا في تسهيل إعادة مواطنيها، وهو ما جعل أرقام الترحيل ترتفع بشكل ملحوظ.

كما يبرز التقارب بين الرباط وباريس في منح فرنسا أزيد من 36 ألف تصريح إقامة للمغاربة، وهو ما يرفع العدد الإجمالي إلى 621 ألف تصريح إقامة ساري المفعول، الأمر الذي يبوئ المغاربة صدارة الجاليات القانونية في فرنسا.

وأشارت الدراسة إلى أن هذا الأمر يظهر كذلك في عدد التأشيرات الفرنسية بالمغرب، حيث منحت فرنسا 238 ألف تأشيرة في سنة واحدة مقابل 725 قرار ترحيل مهاجرين مغاربة من فرنسا فقط.

ولفتت الدراسة إلى أن هذا الوضع يعكس مفارقة أن المغاربة هم الأكثر اندماجا قانونيا (المرتبة الأولى في تصاريح الإقامة)، وفي الوقت نفسه من بين الأكثر استهدافا بالإبعاد (المرتبة الثانية في الإبعاد).

وتشير نتائج الدراسة إلى أن فرنسا قدمت تنازلا سياسيا للمغرب مقابل رفع الرباط لمستوى التعاون القنصلي، لافتة إلى أن إحصائيات ترحيل المهاجرين تعكس حالة العلاقات الثنائية أكثر مما تعكس واقع الهجرة.

الجزائر.. توتر يعرقل الترحيل

في المقابل، تقدم الحالة الجزائرية نموذجا معاكسا، إذ رغم تسجيل الجزائريين أعلى نسبة توقيف (أكثر من ربع الحالات)، فإن عدد المرحلين منهم تراجع، نتيجة توتر العلاقات بين باريس والجزائر ورفض الأخيرة تسهيل إجراءات الإعادة.

وأشارت الدراسة إلى مفارقة صارخة في أرقام الداخلية الفرنسية، تتجلى في ارتفاع توقيفات الجزائريين بـ52%، مقابل انخفاض حالات الإبعاد بـ15%، حيث تم تسجيل 2539 حالة ترحيل فقط.

وعزت السبب في ذلك إلى رفض الجزائر إصدار وثائق الترحيل بسهولة، ما أدى إلى تعطيل عمليات الإبعاد القسري، مشيرة إلى أن الزيادة المسجلة تعود أساسا إلى مغادرة طوعية، وليس إلى ترحيل قسري.

واعتبرت الدراسة أن هذا الوضع يكشف بوضوح أن تنفيذ قرارات الترحيل لا يرتبط بحجم الهجرة بقدر ما يتحدد بمستوى التعاون السياسي، حيث يؤدي “الجمود الدبلوماسي” إلى تعطيل فعلي لسياسات الإبعاد.

ولفتت إلى أن الجزائريين يخضعون لاتفاق 1968، الذي يمنحهم وضعا خاصا خارج القانون العام للهجرة، ما يخلق تناقضا بين المعالجة الإحصائية والمعالجة القانونية، مشددة على أن الإحصائيات لا تعكس الواقع الكامل، بل تخفي الصراع الدبلوماسي.

تونس.. تصنيف يُسرع الإبعاد

أما تونس، فتمثل حالة ثالثة، حيث ساهم تصنيفها كـ“بلد آمن” في تسريع إجراءات رفض طلبات اللجوء وترحيل المهاجرين، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الإبعادات.

وأشارت إلى أن الرفض شبه التلقائي لطلبات اللجوء إدى إلى ارتفاع الإبعاد بنسبة 25.6% بما مجموعه 1627 حالة، مؤكدة أن الإحصائيات تصبح في هذه الحالة نتيجة تصنيف إداري مسبق أكثر من كونها نتيجة تقييم فردي.

وترى الدراسة أن هذا التصنيف الإداري لا يعكس بالضرورة الواقع الفردي للمهاجرين، بل يشكل أداة سياسية تؤثر بشكل مباشر على فرصهم في الحماية القانونية.

مفارقات.. الأرقام مرآة الدبلوماسية

توقفت الدراسة عند 3 مفارقات رئيسية في الإحصائيات الفرنسية، تتعلق بوجود فجوة كبيرة بين عدد التوقيفات وعدد الترحيلات، وحضور مزدوج للمغاربيين كأكبر فئة حاصلة على تصاريح إقامة وأكبر فئة في وضعية غير نظامية، مع غياب تفسير للأسباب البنيوية التي تدفع المهاجرين إلى فقدان وضعهم القانوني.

وأكد المصدر ذاته أن هذه المعطيات تساهم في خلق صورة “انتقائية” عن المهاجرين، يتم توظيفها سياسيا حسب السياق.

كما تشير المعطيات إلى أن أكثر من %40 من تصاريح الإقامة للمغاربيين مرتبطة بالأسرة، ما يعني أن كل إبعاد قد يؤثر على أسر مستقرة قانونيا، إلى جانب ملف القاصرين غير المرافقين، حيث تتم معالجتهم ضمن ترتيبات ثنائية، دون تمثيل حقيقي في الإحصائيات.

وخلصت الدراسة إلى أن أرقام الترحيل بفرنسا، خاصة بالنسبة لدول المغرب الكبير، لا تعكس بالضرورة واقع الهجرة، بل تشكل مؤشرا دقيقا على طبيعة العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الدول.

وأبرزت أن “المهاجر الذي يرحل اليوم ليس بالضرورة أكثر مخالفة للقانون من غيره، بل قد يكون ضحية أو نتيجة مباشرة لقرار سياسي أو اتفاق دبلوماسي بين دولتين”.

* الصورة تعبيرية

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا