آخر الأخبار

الدبلوماسية البرلمانية في المغرب: من الحضور الرمزي إلى الفعل الاستراتيجي .

شارك

احمد الطيب – كود الرباط ///

حين طلب رئيس مجلس النواب المغربي رشيد الطالبي العلمي من رئيس البرلمان الإسرائيلي “الكنسيت” أمير أوحانا، خلال زيارته إلى المغرب في الثامن من يونيو 2023، أن تعترف تل أبيب بمغربية الصحراء، لم يكن يتجاوز اختصاصًا محفوظًا للملك، ولا ينازع الدبلوماسية الرسمية مجالها الحصري، بل كان يمارس حقًا دستوريًا أصيلًا، ويجسد أحد أوجه الدبلوماسية البرلمانية في بعدها التكاملي مع السياسة الخارجية للدولة.
لم يمضِ سوى وقت قصير حتى ظهرت مؤشرات التفاعل. فقد دعا أمير أوحانا حكومة بلاده إلى الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، معلنًا وجود “محادثات جدية” بين الحكومتين في هذا الشأن. وفي مؤتمر صحافي جمعه بنظيره المغربي داخل مجلس النواب، صرّح بوضوح: “على إسرائيل أن تسير في اتجاه الاعتراف بمغربية الصحراء، تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة عند توقيعها اتفاقات أبراهام”.

وأشار أوحانا إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد يعلن قراره في المستقبل القريب، في سياق نقاش سياسي داخلي وخارجي حول موقع إسرائيل من هذا الملف. وكان المغرب، منذ استئناف علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل أواخر عام 2020 ضمن اتفاق ثلاثي شمل أيضًا اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، ينتظر خطوة مماثلة من تل أبيب.
ولم تتأخر هذه الخطوة طويلًا، إذ أعلن الديوان الملكي المغربي، يوم الاثنين 17 يوليوز 2023، أنّ الملك محمد السادس تلقى رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “تتضمن قرار دولة إسرائيل الاعتراف بسيادة المغرب على أراضي الصحراء الغربية “؟
وأضاف البيان أن نتنياهو أكد “أن موقف بلاده هذا سيتجسد في كافة أعمال ووثائق الحكومة الإسرائيلية ذات الصلة”.
وأفاد البيان بأن نتنياهو شدد أيضا على أنه سيجري “إخبار الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية التي تعتبر إسرائيل عضوا فيها، وكذا جميع البلدان التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية” بهذا القرار.
كما كتب وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، مباشرة بعد ذلك، تغريدة باللغة العربية في حسابه على تويتر رحب فيها بإعلان نتنياهو “الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية”، قائلا إنّ “هذه الخطوة ستعزز العلاقات بين الدولتين وبين الشعبين”.

البرلمان فاعل في السياسة الخارجية

هذا الحدث يمثل نموذجًا حيًا لدور البرلمان المغربي كفاعل في السياسة الخارجية، ويؤكد أن الدبلوماسية البرلمانية لم تعد نشاطًا شكليًا أو بروتوكوليًا، بل أداة استراتيجية لتعزيز المصالح الوطنية. فالطلب الذي تقدّم به رئيس مجلس النواب المغربي لم يكن مجرد تصريح رمزي، بل جزء من مسار طويل، يهدف إلى توسيع شبكة التأثير المغربي في المحافل الدولية، وفتح قنوات حوار مباشرة مع صنّاع القرار في الدول الصديقة أو الشريك.
من الناحية العملية، تجسد هذه الواقعة امتدادًا للدبلوماسية الملكية، حيث تعمل المؤسسات البرلمانية على متابعة القضايا ذات الأولوية الوطنية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، وخلق أرضية تفاهم أوسع قبل انعقاد أي لقاءات رسمية. فالدبلوماسية البرلمانية هنا لم تحل محل القرارات الملكية، بل عززتها عبر تقديم الدعم المؤسساتي والشعبي، وهو ما جعل الخطوة الإسرائيلية أكثر استجابة وأقل مقاومة للجدل.
ويبرز من هذا التحرك كذلك البعد الرمزي للدبلوماسية البرلمانية، إذ تُظهر قدرة البرلمان على التفاعل مع الملفات الحساسة خارج نطاق القاعات التشريعية، وتمثيل إرادة الشعب بطريقة مباشرة، مع احترام القواعد الدستورية. هذا الحضور يعكس صورة المغرب كدولة ذات مؤسسات متكاملة، حيث السلطة التشريعية ليست محدودة بمجرد التشريع والرقابة الداخلية، بل يمكن أن تلعب دورًا فعليًا في الشأن الدولي.

الدفاع عن القضية الوطنية

تظل قضية الصحراء المغربية المحور الأساسي الذي تتحرك حوله الدبلوماسية المغربية، رسميًا وبرلمانيًا. فقد أدرك البرلمان المغربي أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يقتصر على المسارات الحكومية، بل يتطلب حضورًا مستمرًا في المحافل الدولية لتوضيح الموقف المغربي، والدفاع عن مقترح الحكم الذاتي باعتباره حلًا واقعيًا وعمليًا للنزاع.
في هذا السياق، لعبت الوفود البرلمانية أدوارًا مهمة داخل الاتحاد البرلماني الدولي، والبرلمان الإفريقي، والبرلمان العربي، وعدد من المنتديات الإقليمية. وغالبًا ما تكون هذه الفضاءات أكثر مرونة من القنوات الرسمية، ما يسمح بحوارات مباشرة وتبادل وجهات النظر بعيدًا عن لغة البيانات الدبلوماسية الصارمة.
كما أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 شكّلت محطة مفصلية أعادت الاعتبار للتحرك البرلماني داخل القارة. فقد انخرط البرلمانيون المغاربة بقوة في أشغال البرلمان الإفريقي، ليس فقط للدفاع عن القضية الوطنية، بل أيضًا لترسيخ حضور المغرب كشريك تنموي فاعل في إفريقيا.

تنويع الشراكات وبناء الجسور

لا تنحصر الدبلوماسية البرلمانية في الملفات السياسية، بل تمتد إلى مجالات التعاون الاقتصادي والبيئي والثقافي. فمجموعات الصداقة البرلمانية مع دول أوروبية وآسيوية وإفريقية وأمريكية لاتينية تشكل آلية فعالة لتمتين العلاقات الثنائية، وتهيئة الأرضية للمصادقة على الاتفاقيات، وتبادل الخبرات التشريعية.
ويواكب هذا التحرك الرؤية الاستراتيجية التي يقودها محمد السادس، والتي جعلت من التعاون جنوب–جنوب خيارًا ثابتًا في السياسة الخارجية المغربية. فالحضور البرلماني في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ينسجم مع هذا التوجه، ويعزز البعد المؤسساتي للشراكات التي أرساها المغرب على مستوى الحكومات.

القوة الناعمة وصورة المملكة

من أبرز أدوار الدبلوماسية البرلمانية مساهمتها في تعزيز القوة الناعمة للمغرب. فالبرلمان، بتعدديته الحزبية وتنوع أعضائه، يعكس صورة مجتمع منفتح وتعددي. وعندما يشارك برلمانيون مغاربة في مؤتمرات دولية أو يستقبلون وفودًا أجنبية، فإنهم يقدمون نموذجًا عن تجربة سياسية تسعى إلى التحديث ضمن إطار الاستقرار.
كما أن الحضور النسائي والشبابي المتزايد داخل البرلمان المغربي يمنح صورة إيجابية عن تطور التمثيلية السياسية للمرأة والشباب. وهذا البعد الرمزي يساهم في ترسيخ صورة المغرب كبلد يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز المشاركة السياسية وتكريس مبادئ المساواة.

التحديات البنيوية والوظيفية

رغم التقدم الملحوظ، تواجه الدبلوماسية البرلمانية المغربية عددًا من التحديات. أولها ضرورة التنسيق الدائم مع وزارة الشؤون الخارجية، حتى يكون الخطاب الخارجي منسجمًا ويعكس الثوابت الوطنية دون تباين. فتكامل الأدوار بين المؤسستين—الملكية والبرلمانية—شرط أساسي لنجاح العمل الدبلوماسي.
ثانيًا، يبرز تحدي التكوين المتخصص. فالمرافعة في القضايا الدولية تتطلب إلمامًا دقيقًا بالقانون الدولي، والاتفاقيات متعددة الأطراف، وآليات اشتغال المنظمات الدولية. كما أن إتقان اللغات الأجنبية عنصر حاسم في تعزيز فعالية الحضور البرلماني.
ثالثًا، تفرض التحولات الرقمية تطوير أدوات التواصل البرلماني، عبر الاستثمار في الإعلام الرقمي، وتوثيق الأنشطة الخارجية، ونشر مضامينها للرأي العام الوطني والدولي.

نحو استراتيجية مؤسساتية متكاملة

إن الرهان اليوم يتمثل في الانتقال من مبادرات ظرفية إلى استراتيجية مؤسساتية واضحة المعالم، تقوم على تحديد أولويات جغرافية وموضوعاتية، وربط العمل البرلماني بأهداف السياسة الخارجية الكبرى.
ويمكن تحقيق ذلك عبر إحداث وحدات دعم داخل البرلمان تضم خبراء في العلاقات الدولية والقانون الدولي، لمواكبة الوفود البرلمانية بالمعطيات والتحليلات اللازمة. كما أن تعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز التفكير سيمكن من إغناء النقاش، وتطوير خطاب برلماني قائم على الحجة والمعرفة.

صوتا مغربيا إضافيا في الخارج

أثبتت التجربة المغربية، من خلال هذا الحدث التاريخي ووقائع أخرى، أن الدبلوماسية البرلمانية لم تعد مجرد نشاط بروتوكولي، بل أضحت رافعة استراتيجية مكمّلة للدبلوماسية الرسمية. فهي تتيح للمغرب توسيع دوائر تأثيره، وبناء جسور ثقة مع برلمانات العالم، والدفاع عن قضاياه الوطنية في فضاءات متعددة.
وفي عالم تتعدد فيه مراكز القرار، وتتعقد فيه التحديات، يبقى البرلمان صوتًا إضافيًا للمغرب في الخارج، يعزز مكانته كفاعل إقليمي ودولي وازن، ويجسد تلاقي الإرادة السياسية مع العمل المؤسساتي في خدمة المصالح العليا للبلاد.

كود المصدر: كود
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا