آخر الأخبار

اليوم الدولي للفرنسية يعيد نقاش المسألة اللغوية داخل المدرسة المغربية

شارك

يحتفل العالم الفرنكفوني في 20 مارس من كل عام باليوم الدولي للغة الفرنسية، الذي يصادف تأسيس المنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF) في بدايات سبعينيات القرن الماضي بالعاصمة النيجرية نيامي، احتفاء بإسهامات “لغة موليير” في مجالات الأدب والعلوم والفنون وغيرها. ومن المغرب، يتجدد في هذا اليوم طرح تساؤلات حول مدى مناسبة استمرار الفرنسية كلغة رئيسية لتدريس المواد العلمية في المدارس المغربية؛ في ظل الرغبة في تعزيز الهوية الوطنية واللغات المحلية، العربية والأمازيغية، وضرورة فتح الأبواب أمام لغات البحث العلمي العالمية.

وسجل مهتمون تحدثوا لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا الشأن أن استمرار فرض التعلم بالفرنسية على المتعلمين المغاربة يخلق واقعا يجعل من اللغات الرسمية للمملكة مجرد لغات تراثية، معتبرين أن فرض الفرنسية يخلق فوضى تعليمية ويهدد قدرة الدولة على بسط سيادتها الثقافية. وأكد هؤلاء المهتمون أن استعادة السيادة اللغوية لا تتحقق إلا من خلال ترسيخ اللغة الوطنية كلغة أساسية للتدريس والبحث العلمي، مع التوازن بين ضرورة تعلم العلوم العالمية.

قال عبد الناصر الناجي، رئيس الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم “أماكن” وعضو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سابقا، إن “قضية لغة التدريس في المغرب ليست مجرد خيار تقني أو تربوي؛ بل هي قضية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والهوية بالرهانات الاستراتيجية”.

وأضاف الناجي، في تصريح لهسبريس، أن “استمرار الفرنسية كلغة لتدريس المواد العلمية والتقنية يمكن تفسيره من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولها الإرث التاريخي والبنية المؤسساتية، حيث لا تزال الإدارة المغربية والتعليم العالي وكذا القطاع الخاص كلها مرتبطة باللغة الفرنسية، مما يشكل عراقيل حقيقية أو مفترضة أمام أي إرادة لتغيير هذا الواقع”.

وأشار رئيس الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم “أماكن” أيضا إلى أن “الترويج لوهم العلاقة السببية بين إتقان الفرنسية والتأهيل لسوق الشغل يفرض اللغة كواقع غير قابل للتجاوز. كما أن النخبوية والتموضع الاجتماعي عامل يشكل ضغطا رهيبا من فئات اجتماعية ترى في التمكن من الفرنسية ‘رأسمالا رمزيا’ يضمن التفوق الاجتماعي والمهني؛ مما يجعل صناع القرار يترددون في إزاحتها كلغة تدريس”.

وأكد الخبير التربوي ذاته أن “المشهد اللغوي التعليمي في المغرب يعاني من تعددية غير منسجمة؛ فالتعليم العمومي يعيش حالة من الفوضى اللغوية في تناقض صارخ مع الرؤية الاستراتيجية التي تبنت خيار التناوب اللغوي، وهو ما أحدث ارتباكا لدى التلاميذ وضعفا في التحصيل العلمي بسبب العائق اللغوي. كما بينت النتائج الكارثية للمغرب في اختبار العلوم في الثانية إعدادي في تيمس 2023. كما أن التعليم الخصوصي يبالغ في اعتماد الفرنسية منذ الحضانة لإرضاء الأسر، ويكون ذلك غالبا على حساب اللغة العربية واللغة الأمازيغية”.

وأضاف المتحدث عينه أن “البعثات الأجنبية هي الأخرى تشكل جزرا لغوية وثقافية مستقلة، تخرج نخبة منفصلة لغويا عن السواد الأعظم من الشعب؛ مما يكرس نوعا من ‘الفرز الاجتماعي’ القائم على اللغة”.

وبيّن أن “التركيز المفرط على الفرنسية لا يعيق الهوية فحسب؛ بل يخلق ما يمكن تسميته بـ’الانفصام اللغوي’. فعندما تُقدَّم الفرنسية كلغة ‘للعلم والحداثة’ والعربية/ الأمازيغية كلغات ‘للآداب والتراث’، يتولد لدى التلميذ انطباع بأن هويته اللغوية غير قادرة على استيعاب العلوم والتكنولوجيا. كما أن التعلم بلغة غير متمكن منها يحول التلميذ إلى ناقل مشوه للمعلومات بدلا من أن يكون ‘منتجا’ لها، لأن التفكير والإبداع يرتبطان ارتباطا وثيقا باللغة الرسمية للبلاد. اليوم، العائق الأكبر ليس فقط أمام الهوية، بل أمام الانفتاح العالمي. فحبس المنظومة في ‘الفرنسية’ يحرم الأجيال من لغة البحث العلمي العالمي (الإنجليزية) دون أن يعزز في المقابل لغاتهم الوطنية”.

وخلص الناجي إلى أن “المشكل ليس في تعلم الفرنسية كلغة أجنبية، بل في تحويلها إلى ‘وعاء معرفي’ وحيد في ظل ضعف التمكن منها؛ مما يضعف الهوية دون أن يحقق التنمية المنشودة، إذ يُعتقد أنه حان الوقت لاتباع التجارب الدولية الفضلى التي تجمع على أن تقدم المنظومات التربوية يبقى رهينا بتدريس العلوم باللغات الوطنية، كما هو الحال في الدول العشرين الأولى في التقييمات الدولية بما في ذلك بيزا وتيمس”.

من جهته، اعتبر فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، أن “استمرار اعتماد اللغة الفرنسية لتدريس المواد العلمية في المؤسسات التعليمية المغربية يعد خيارا غير صائب، خاصة أن هذه اللغة لم تعد تواكب الركب كواحدة من لغات العلم العالمية، وفقدت الكثير من إشعاعها في المجالات المعرفية والتقنية والعلمية الدقيقة”.

وأبرز بوعلي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “فرض هذه اللغة على المتعلم المغربي يُعد ‘تجنّيا’ عليه، ومن شأنه أن يعيد إنتاج مسارات الفشل التي طالت مشاريع الإصلاح السابقة في المدرسة المغربية”.

وأضاف رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية أن “عملية التراجع عن التعريب والتوجه نحو الفرنسة في المغرب جاءت بشكل فجائي وصادم، دون تهيئة الموارد البشرية اللازمة أو إعداد المقررات الدراسية المناسبة؛ مما خلق حالة من الارتباك والفوضى التعليمية”.

واعتبر المتحدث في الوقت ذاته أن “هذا التوجه لا يعني استهداف اللغة الفرنسية لذاتها، فهي تظل جزءا من الذاكرة الوطنية والتعددية الثقافية المغربية ولها أبعادها الإيجابية، إلا أن الإشكال يكمن في فرضها قسريا؛ مما يهدد بنكسات تعليمية ويضعف قدرة الدولة على بسط سيادتها الثقافية”.

وسجل بوعلي أن “استعادة السيادة اللغوية والثقافية للمدرسة والدولة المغربية لا تتحقق إلا من خلال خطوات إجرائية وعملية ملموسة؛ أبرزها ترسيخ الوعي اللغوي من خلال ضرورة الإدراك بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية، إضافة إلى الاقتداء بالتجارب الدولية والاستناد إلى التقارير الأممية ذات الصلة، مع التأكيد على أن الانتصار للغة العربية كلغة للتدريس والبحث العلمي ليس نابعا من انحياز أيديولوجي، بل هو استحقاق مبني على حقائق تاريخية وتقارير دولية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا