أجمعت مصادر مهنية في قطاع الحلي والمجوهرات في المغرب على أن واقع السوق الحالي للذهب يمر بمرحلة “الترقب الحذر”، على خلفية تراجعٍ واضح في تداولاته العالمية بضغطٍ من قوة الدولار الأمريكي الذي انتعش خلال الأسابيع الثلاثة الماضية مع استمرار الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران.
وشهدت أسعار الذهب، الخميس، تراجعا لم تخطئه حسابات المستثمرين؛ إذ تم تداول المعدن النفيس في إطار “العقود الآجلة” عند حوالي 4,595.49 دولارا للأونصة، بتراجع حاد قدره 300 دولار (بنسبة انخفاض بلغت 6.14 في المائة)، وفق ما تابعته هسبريس على منصات متخصصة.
على المستوى المحلي في المغرب، شهدت الأسعار “انخفاضا تأثرا بالبورصة العالمية، لكن ثمّة أسبابا محلية أخرى أدت إلى ركود شبه تام لتجارة الحلي والمجوهرات”، بتعبير محمد مرشد، رئيس الجمعية الوطنية لحرفيي وصناعة الحلي والمجوهرات بالمغرب.
وفق المعطيات التي توفرت لجريدة هسبريس من مصادر مهنية متتبّعة، فإن سوق الذهب المغربي لم يعد بمنأى عن التجاذبات الجيو-سياسية الكبرى، حيث تتقاطع تأثيرات الصراعات الدولية وقوة الدولار مع إجراءات الرقابة الوطنية الصارمة لمكافحة غسل الأموال والعمل على محاصرة المسارات غير القانونية للاتجار بالمجوهرات، مما خلق حالة من الركود رغم تراجع الأسعار عالميا.
وبينما يواجه الصانع التقليدي للحلي والمجوهرات “تحديات جسيمة” تتعلق بارتفاع تكاليف متعددة والضرائب، مازال المهنيون يجددون مطلب إحداث منصة رسمية (كونتوار) لتداول وشراء المهنيين للمادة الخام “كضرورة ملحة لضمان الشفافية، وحماية المهنة من الدخلاء، وتأمين التزود بالمادة الأولية وفق المعايير الدولية”، مبرزين أن التقلبات الجارية واشتداد التوترات تكرس راهنيّة المطلب.
غداة تثبيت “الفيدرالي الأمريكي” سعر الفائدة، أمس الأربعاء، تراجعت أسعار الذهب إلى أدنى مستوى لها في أكثر من شهر، في خضم تقييماتٍ مدفوعة بارتفاع أسعار النفط وما يثير ذلك من مخاوف بشأن عودة الضغوط التضخمية.
وقال محمد مرشد، رئيس الجمعية الوطنية لحرفيي وصناعة الحلي والمجوهرات بالمغرب، إنه “من المعتاد عالميا أن تشهد أسعار الذهب ارتفاعا صاروخيا في أوقات الحروب والنزاعات، لكننا نعيش حاليا حالة استثنائية. فبالرغم من التوترات، إلا أن القوى العظمى، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، تظل المتحكم الرئيس والأساس في الأسعار”، مبرزا أن ذلك “ساهم في خفض قيمته رغبة من القوى الاقتصادية الكبرى في إضعاف المعدن الأصفر وخفتِ بريقه وتعزيز قيمة الدولار، لتهبطَ الأسعار مؤخرا إلى أدنى مستوياتها”.
وأفاد مرشد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، بأن “الأسعار الحالية في السوق المغربي سجلت انخفاضا ليصل سعر الغرام (عيار 18) إلى ما يقارب 1180 درهما، في الأيام الحالية، بعدما كان قد تجاوز في وقت سابق عتبة 1400 درهم”.
وتابع المهني ذاته بأنه “رغم هذا الانخفاض، فإن الحركة التجارية حاليا متوقفة تقريبا، تزامنا مع أجواء شهر رمضان وعيد الفطر، حيث ينشغل المواطنون بالتزامات اجتماعية أخرى، مما جعل وتيرة البيع والشراء في أدنى مستوياتها”، فضلا عن “استمرار تدهور القدرة الشرائية” لدى فئات مجتمعية عديدة بين المغاربة.
ولفت مرشد الانتباه إلى أن “الصانع التقليدي يبقى المتضرر الأكبر من هذه التقلبات”، شارحا أن “تكلفة الفاقد أو (البقايا الناتجة عن التصنيع) ارتفعت بشكل مهول، فبينما كانت تكلفة الخسارة تقدر سابقا بـ 100 درهم للغرام، أصبحت اليوم تصل إلى 1200 درهم، مما يثقل كاهل المهنيين بضرائب وتكاليف اجتماعية باهظة”.
وخلص المتحدث عينه إلى “تجديد مطلبِ المهنيين بإحداث منصّة رسمية (مخصصة للذهب الخام) في المغرب، بالتنسيق مع إدارة الجمارك، لتمكين الصانع من شراء المادة الأولية مباشرة بأسعار البورصة العالمية، ولضمان الشفافية والقدرة على تتبع مصدر المعدن ومساراته، مما سيحد من ظاهرة تبييض الأموال ومن تجارة المسروقات، لأن كل غرام سيكون مسجَّلا ومعروف المصدر”.
حاليا، يواجه الذهب موجة بيع مفاجئة وضغوطا هبوطية قوية بعد فترة من الارتفاعات القياسية، وتتلخص أسباب هذا الركود العالمي في “قوة الدولار وعوائد السندات”. ولا يزال الدولار الأمريكي يحافظ على قوته بالقرب من أعلى مستوياته، مما يدفع المستثمرين بعيدا عن الأصول التي لا تدر عائدا مثل الذهب، وتوجيه السيولة نحو السندات ذات العوائد المرتفعة.
كما ساهم قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير في مطلع 2026 في “تقليص مكاسب الذهب” التي تحققت بناء على توقعات سابقة بخفض الفائدة.
وعلاقة بحالة الترقب الجيو-سياسي المستمر، فرغم استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، إلا أن السوق يمر بمرحلة “هدوء ما قبل العاصفة” مع ترقب لانفجار في السيولة أو تحديد اتجاه حقيقي جديد.
المصدر:
هسبريس