دقّ مجلس المنافسة ناقوس الخطر بشأن بطء مساطر الترخيص والولوج إلى سوق الأدوية في المغرب، معتبرا أن الإطار التنظيمي الحالي، كما يطبق عمليا، بات يفرز تأخيرا كبيرا في وصول الأدوية إلى المرضى، ويكبح دخول الأدوية الجنيسة والمماثلات الحيوية إلى السوق، بما ينعكس مباشرة على المنافسة والأسعار وتوفر العلاج.
ويكشف الرأي الصادر عن المجلس حول وضعية المنافسة في أسواق توزيع الأدوية بالمغرب أن الحصول على “الإذن بالعرض في السوق”، وهو الترخيص الأساسي الذي يسبق تسويق أي دواء، يستغرق في الواقع من سنتين إلى ثلاث سنوات في المتوسط، وذلك وفق ما أفاد به المهنيون الذين استمع إليهم المجلس، وهو أجل يتجاوز ما تنص عليه المقتضيات التنظيمية نفسها.
وتشكل هذه الخلاصة واحدة من أكثر النقاط أهمية في التقرير، لأنها تمس صلب العلاقة بين التنظيم الإداري وحماية الصحة العامة من جهة، وبين الحاجة إلى تسريع وصول الأدوية وخفض الأسعار وتحفيز المنافسة من جهة أخرى.
ولا يطعن تقرير المجلس في مبدأ إخضاع الدواء لمراقبة صارمة قبل طرحه في السوق، بل يؤكد أن هذا القطاع بطبيعته يجب أن يظل خاضعا لترخيص مسبق حفاظا على الجودة والفعالية والسلامة، لكنه يسجل، في المقابل، أن ما يفترض أن يكون آلية حماية وتنظيم، تحول في التطبيق إلى مسار طويل ومعقد يعرقل دخول منتجات جديدة ويؤخر استفادة المرضى منها.
ويستند التقرير إلى معطيات قانونية وتنظيمية واضحة. فالقانون المغربي يشترط أن يكون كل دواء مصنع أو مستورد أو مصدر موضوع إذن بالعرض في السوق قبل تسويقه أو توزيعه، سواء مجانا أو بمقابل، بالجملة أو بالتقسيط.
كما يفصل المرسوم المنظم لهذه المسطرة شروط منح الإذن وتحويله ووقفه وسحبه، ويحدد مراحل دراسة الملفات وآجال معالجتها من طرف الإدارة، إضافة إلى دور اللجنة الوطنية للإذن بعرض الأدوية في السوق، التي تستشيرها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لتقييم الفائدة العلاجية والفعالية وعدم الضرر.
لكن المجلس يبرز مفارقة تتمثل في أنه “على الورق، توجد آجال ومساطر مضبوطة؛ أما في الممارسة، فإن طول المسار يفرغ هذه المقتضيات من نجاعتها الاقتصادية والتنافسية”. فالوثيقة تعرض، حتى على مستوى الخطاطات الرسمية، مسارا متعدد المراحل يتضمن قبول الملف أو رفضه، وإجراءات الاستدراك والطعن، وإحالة الملف على اللجنة الوطنية، وتسليم العينات والكواشف، وإجراء المراقبة التحليلية، ثم العودة إلى المؤسسة المعنية بالملاحظات والردود، وهي مراحل تجعل المسطرة شديدة التفرع والتعقيد.
كما تظهر الخطاطات الواردة في التقرير آجالا قصوى موزعة على فترات قد تصل إلى 60 يوما و180 يوما و365 يوما، فضلا عن فترات أخرى مرتبطة بالطعن أو استكمال الملف أو سحب الملف أو إتلاف العينات.
وفي الخلاصة التي صاغها المجلس ضمن باب التوصيات، فإن الوضعية الحالية، وفق ما عبر عنه المهنيون الذين تم الاستماع إليهم، تشير إلى أن الحصول على إذن العرض في السوق يتطلب آجالا طويلة تمتد من سنتين إلى ثلاث سنوات في المتوسط، وهو ما يتجاوز المقتضيات التنظيمية المعمول بها.
ويرتب المجلس على هذا التأخير نتائج مباشرة؛ تتمثل في تعطيل ولوج المرضى إلى الابتكارات العلاجية، وتأخير إدراج الأدوية الجنيسة والمماثلات الحيوية، وهي فئات يعتبرها التقرير ركيزة أساسية لتحفيز المنافسة وخفض الأسعار.
ومن هنا، فإن الزاوية التي يطرحها التقرير ليست تقنية فقط، بل سياسية واقتصادية وصحية في آن واحد. فالمسألة لا تتعلق بمشكل إداري داخلي محصور داخل الوزارة أو الأجهزة التنظيمية، بل تتعلق بسلسلة كاملة من الآثار التي تبدأ من طول المسطرة، ثم تمتد إلى تقليص عدد المنتجات القادرة على دخول السوق في الوقت المناسب، ثم تنتهي إلى إضعاف المنافسة، وإبطاء تداول البدائل الأرخص ثمنا، وتوسيع الضغط على المرضى وعلى صناديق التأمين الإجباري عن المرض.
ويضيف المجلس أن الإشكال لا يقف عند حدود بطء دراسة الطلبات فقط، بل يمتد إلى قواعد تنظيمية أخرى تزيد من تأخير الأدوية الجنيسة على وجه الخصوص، حيث يشير المجلس إلى أن المؤسسات الصيدلية الصناعية تجد نفسها مضطرة إلى التقيد بقواعد حماية البيانات السريرية، التي تمنع الإشارة إلى البيانات المتعلقة بصاحب الإذن السابق بالعروض في السوق دون موافقته، ولمدة قد تصل إلى خمس سنوات.
ويرى المجلس أن هذا الإطار ينتج عنه آجال إضافية كبيرة تؤخر الطرح الفعلي للأدوية الجنيسة في السوق، وتقلص قدرتها على المنافسة، وتحد من المكاسب المنتظرة من حيث وفرة الأدوية وقابليتها للولوج واستدامة المنظومة الصحية.
بمعنى آخر، فإن المشكلة، كما يرسمها التقرير، ليست فقط في أن الإدارة تتأخر في منح الإذن، بل أيضا في أن البنية التنظيمية نفسها تؤدي إلى تمديد الفاصل الزمني بين الدواء الأصلي والدواء الجنيس، وهو ما يمنح الأفضلية للمنتج المرجعي لفترة أطول، ويؤخر دخول المنافسين الأقل سعرا. وفي سوق يعتبر فيها السعر وإمكانية الولوج عنصرين حاسمين، فإن هذا التأخير لا يمكن اعتباره مسألة إجرائية ثانوية، بل هو عامل مؤثر في بنية المنافسة نفسها.
ويبرز التقرير أيضا أن الإذن بالعرض في السوق ليس مجرد إجراء منعزل، بل يقع ضمن منظومة تنظيمية أكثر اتساعا تشمل الترخيص للمؤسسات الصيدلية الصناعية والموزعة بالجملة، ومراقبة الصيدليات، وتحديد الأسعار، وآليات قبول إرجاع مصاريف الأدوية في إطار التأمين الإجباري الأساسي عن المرض. ولهذا يؤكد المجلس أن تحسين شروط الولوج إلى السوق لا يمكن فصله عن إصلاح الحكامة وتجويد التنسيق بين مختلف المؤسسات المتدخلة.
وفي هذا الإطار، يسجل التقرير أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تظل السلطة المركزية المكلفة بتنظيم قطاع الأدوية وتخطيطه والإشراف عليه، وقد كانت، عبر مديرية الأدوية والصيدلة سابقا، تضطلع بمهام أساسية في منح الإذن بالعرض في السوق، قبل أن يتم إسناد هذا الاختصاص إلى الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية.
كما يشير التقرير إلى أن هذه الوكالة أسندت إليها مهام كانت تمارسها سابقا مديرية الأدوية والصيدلة، ومن بينها منح الإذن بالعرض في السوق، والاعتماد للمؤسسات الصناعية والمؤسسات الموزعة بالجملة، ومراقبة الصيدليات والمؤسسات الصيدلية.
غير أن المجلس يعتبر أن مجرد إحداث هذه المؤسسات الجديدة لا يكفي وحده إذا لم يقترن بتفعيل سريع وفعلي على الأرض، وبإمدادها بالوسائل الضرورية للقيام بمهامها.
ومن هنا جاءت توصيته بضرورة التسريع في تنزيل الإصلاحات المؤسساتية وتعزيز التنسيق بين المتدخلين، بما في ذلك تنظيم الدراسة المشتركة لطلبات الإذن بالعرض في السوق وطلبات قبول إرجاع مصاريف الأدوية، لأن من شأن ذلك، بحسب التقرير، تقليص آجال عرض الأدوية في السوق، وضمان وفرتها، وتيسير ولوج المرضى إلى العلاجات، ودعم ديمومة المنظومة الصحية.
ومن ضمن التوصيات العملية، دعا مجلس المنافسة إلى تخفيض آجال دراسة طلبات الإذن بالعرض في السوق عبر تحديث المساطر الداخلية.
كما أوصى بإتاحة إمكانية الإيداع المسبق لملفات الإذن بعرض الأدوية الجنيسة خلال السنة الأخيرة من الفترة المخصصة لحماية البيانات السريرية، وذلك بهدف تسريع طرحها الفعلي في السوق، وربط ذلك بانتهاء مدة الحماية المنصوص عليها تنظيميا.
كما اقترح المجلس حصر مبدأ حماية البيانات السريرية على العناصر الكيميائية الجديدة فقط، دون أن يشمل التعديلات التي تطال مواد معروفة مسبقا، بل وذهب إلى حد اقتراح الشروع في رفع الحماية عن البيانات السريرية في حالة إصدار رخصة إجبارية، بهدف توفير أدوية تستجيب لأولويات الصحة العامة.
كما يربط المجلس هذا الملف بسؤال أكبر يتعلق بفعالية السوق ونجاعة التنظيم. فهو يعتبر أن سوق توزيع الأدوية في المغرب، رغم طابعه الحساس وارتباطه المباشر بالصحة العامة، ينبغي أن يدار بطريقة توازن بين الصرامة اللازمة لحماية المرضى وبين المرونة الضرورية لضمان المنافسة وتوفر العلاجات في وقت معقول.
ويبدو من التقرير أن هذا التوازن لم يتحقق بعد بالشكل المطلوب، لأن طول مساطر الترخيص صار يُنظر إليه كواحد من العوامل المعيقة لتطور السوق ولخفض الأسعار.
المصدر:
العمق