كشفت اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية في رأيها الاستشاري بخصوص صفقة تتعلق بإنجاز دراسة لرسم خريطة مخاطر الفساد في القطاع الصحي، أن مسطرة إبرام الصفقة شابها عيب مسطري جوهري خلال مرحلة إعداد وثائق طلب العروض، وهو ما يستوجب إلغاء المسطرة برمتها، دون الحاجة إلى الحسم في مسألة تضارب المصالح التي أثارت الجدل.
وتعود تفاصيل القضية إلى إعلان الهيئة الوطنية المعنية بمكافحة الفساد عن طلب عروض مفتوح من أجل إنجاز دراسة متخصصة تهدف إلى إعداد خريطة دقيقة لمخاطر الفساد داخل القطاع الصحي. وبعد استكمال مسطرة المنافسة وتقييم العروض، تم إسناد الصفقة إلى مكتب دراسات معين.
غير أن الملف سرعان ما أثار نقاشا واسعا بعد تداول مقال إعلامي تحدث عن وجود علاقة تعاقدية بين المكتب الفائز بالصفقة وإحدى المجموعات الصحية الخاصة، حيث يضطلع المكتب نفسه بمهمة مراقبة حسابات تلك المجموعة التي تُعد من الفاعلين الأساسيين في القطاع المشمول بالدراسة.
وأمام هذه المعطيات، تقدمت الهيئة بطلب استشارة إلى اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية من أجل تقييم الوضع القانوني وتحديد ما إذا كانت هذه العلاقة التعاقدية تشكل حالة تضارب مصالح يمكن أن تؤثر على نزاهة الصفقة أو على مصداقية الدراسة المرتقبة. وقد عقدت اللجنة في هذا السياق جلسة استماع حضرها عدد من مسؤولي الهيئة، قدموا خلالها توضيحات مفصلة بشأن ملابسات الصفقة والظروف التي أحاطت بإسنادها.
وخلال عرضها للوقائع، أوضحت الهيئة أن المكتب الفائز بالصفقة يمارس بالفعل مهمة مراقبة حسابات مجموعة صحية خاصة تنشط في المجال نفسه الذي تستهدفه الدراسة. وبحسب تحليلها، فإن هذا الوضع قد يضع المكتب في موقع مزدوج، إذ سيكون مطالباً من جهة بالحفاظ على مصالح الجهة التي تربطه بها علاقة تعاقدية، ومن جهة أخرى بإنجاز دراسة يفترض أن تكون موضوعية ومحايدة حول مخاطر الفساد في القطاع الصحي الخاص، بما في ذلك المؤسسات الصحية التي تنتمي إليها تلك المجموعة.
ورأت الهيئة أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تضارب مصالح فعلي أو على الأقل إلى تضارب ظاهر يمكن أن يثير الشكوك حول حياد الدراسة وموضوعيتها، خاصة أن الدراسة المزمع إنجازها تهدف إلى تحليل المخاطر المرتبطة بالمصحات والعيادات الخاصة وتقييم آليات تدبيرها، وهو ما يقتضي درجة عالية من الاستقلالية والحياد. كما أكدت أن مجرد تداول هذه المعطيات في وسائل الإعلام قد يخلق حالة من الشك لدى الرأي العام ويؤثر على مصداقية نتائج الدراسة، حتى في حال احترام جميع الإجراءات القانونية.
غير أن اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، وبعد فحصها للوثائق المرتبطة بالصفقة، خلصت إلى أن العلاقة التعاقدية بين مكتب الدراسات والمجموعة الصحية لم تكن في الواقع معطى خفيا بالكامل، إذ وردت الإشارة إليها ضمن العرض التقني المقدم في إطار المنافسة. كما تبين للجنة أن نظام الاستشارة المعتمد في الصفقة لا ينص صراحة على إلزام المتنافسين بالإفصاح عن جميع علاقاتهم التعاقدية مع الجهات المعنية بموضوع الدراسة، ولا يعتبر وجود مثل هذه العلاقات سبباً مباشراً لإقصائهم من المنافسة.
وبناء على ذلك، اعتبرت اللجنة أن لجنة طلب العروض لم يكن بإمكانها قانونا استبعاد العرض المقدم من المكتب المعني على أساس تلك العلاقة التعاقدية، طالما أن شروط نظام الاستشارة لم تنص على اعتبارها حالة تضارب مصالح موجبة للإقصاء. كما رأت أن التصريح بالشرف الذي أدلى به المكتب الفائز، والذي أكد فيه عدم وجوده في وضعية تضارب مصالح، لا يمكن اعتباره مخالفاً للحقيقة وفق المفهوم المحدد في النظام المعمول به، لأن هذا المفهوم يقتصر أساساً على حالات تضارب المصالح التي قد تطال المتدخلين في مسطرة إبرام الصفقة، وليس المتنافسين أنفسهم.
ورغم هذه الخلاصات، كشفت اللجنة عن إشكال مسطري اعتبرته جوهر القضية. فقد تبين لها أن نموذج التصريح بالشرف الذي طُلب من المتنافسين الإدلاء به قد حدد مفهوم تضارب المصالح وفق تعريف ضيق وارد في مادة من نظام الصفقات الخاصة بالهيئة، وهو تعريف يخص أساساً المتدخلين في مسطرة إبرام الصفقة وليس المتنافسين. وبحسب اللجنة، فإن اعتماد هذا التعريف الضيق في وثائق طلب العروض يشكل في حد ذاته تعديلاً غير مشروع لمقتضيات النظام العام للصفقات، لأن صاحب المشروع لا يملك صلاحية تغيير نطاق المفاهيم القانونية المحددة في النصوص التنظيمية.
وأوضحت اللجنة أن هذا الخطأ وقع خلال مرحلة إعداد ملف طلب العروض، وهو ما يشكل عيبا مسطريا جوهريا يمس سلامة المسطرة من أساسها. وبناء على ذلك، اعتبرت أن استمرار المسطرة رغم هذا الخلل لا ينسجم مع مقتضيات الشرعية القانونية المؤطرة للصفقات العمومية، مما يستوجب إلغاء طلب العروض برمته.
وخلصت اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية في رأيها الاستشاري إلى أن مسطرة إبرام الصفقة موضوع الاستشارة مشوبة بعيب مسطري وقع أثناء إعداد وثائق طلب العروض، وأن ثبوت هذا العيب الجوهري يجعل من غير الضروري مناقشة باقي الإشكالات المثارة، بما فيها مسألة تضارب المصالح أو المخاوف المرتبطة بفعالية الدراسة المنتظرة. وبذلك يكون مصير المسطرة هو الإلغاء، في انتظار إطلاق مسطرة جديدة تراعي الضوابط القانونية بشكل أكثر دقة وتضمن أعلى درجات الشفافية والحياد في الصفقات المرتبطة بإعداد السياسات العمومية.
المصدر:
العمق