شهد النزاع التجاري الذي استمر لسنوات بين الولايات المتحدة والصادرات المغربية من الأسمدة الفوسفاطية منعطفا لافتا، بعد أن قررت الإدارة الأمريكية في مطلع شهر مارس عدم الطعن في حكم قضائي صدر لصالح المجمع الشريف للفوسفاط في قضية الرسوم التعويضية المفروضة على الأسمدة المغربية.
ويأتي هذا القرار في وقت تعيد فيه السلطات الأمريكية تقييم مدى جدوى الإجراءات الجمركية التي فرضت سنة 2021، ما يفتح مرحلة جديدة في ملف أعاد خلال السنوات الماضية تشكيل تدفقات التجارة العالمية للأسمدة.
ويتزامن هذا التطور مع سياق دولي دقيق يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي واستقرار سلاسل التوريد العالمية. وفي هذا الإطار شرعت الولايات المتحدة في المراجعة الدورية الخمسية للإجراءات التجارية التي أقرتها قبل خمس سنوات.
ويُفهم من قرار واشنطن التخلي عن مواصلة الطعن القضائي أنه قد يمهّد لإمكانية تخفيف تدريجي للقيود التي أثرت منذ 2021 على صادرات المغرب من الأسمدة الفوسفاطية نحو السوق الأمريكية.
بداية النزاع
يعود أصل النزاع إلى سنة 2020 عندما تقدم أحد كبار منتجي الأسمدة في الولايات المتحدة بشكوى لدى السلطات التجارية، متهما المصدرين المغاربة والروس بالاستفادة من دعم حكومي يمنحهم أفضلية تنافسية في السوق. وبعد تحقيق قاده كل من وزارة التجارة الأمريكية ولجنة التجارة الدولية، قررت واشنطن في 2021 فرض رسوم تعويضية على واردات الأسمدة الفوسفاطية.
وبلغت الرسوم المفروضة على المنتجات المغربية قرابة 20 في المائة، وهو مستوى مرتفع أدى إلى تراجع ملحوظ في حضور الأسمدة المغربية داخل السوق الأمريكية. وقبل فرض هذه الرسوم، كانت صادرات المغرب نحو الولايات المتحدة تمثل تدفقا تجاريا مهما قُدّر بحوالي 750 مليون دولار سنة 2019.
ورغم أن القرار شكل صدمة تجارية للقطاع المغربي، فإن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط سارعت إلى إعادة توجيه صادراتها نحو أسواق أخرى، خصوصاً في إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
معركة قانونية طويلة
منذ فرض الرسوم التعويضية، تحولت القضية إلى نزاع قانوني معقد جمع بين مساطر إدارية ودعاوى قضائية. وقد طعن المكتب الشريف للفوسفاط في عدد من استنتاجات السلطات الأمريكية، خاصة تلك التي اعتبرت بعض السياسات العمومية المغربية شكلاً من أشكال الدعم الحكومي.
وفي عدة مناسبات، طلبت المحكمة الأمريكية للتجارة الدولية من وزارة التجارة مراجعة بعض جوانب تحليلها، معتبرة أن بعض التفسيرات القانونية قابلة للطعن. ومع تأكيد خلاصات مراجعة جديدة جاءت لصالح المجموعة المغربية، تغير ميزان الملف تدريجياً، ما دفع الإدارة الأمريكية في النهاية إلى التراجع عن متابعة الطعن القضائي.
رهانات اقتصادية
تعكس هذه القضية أيضا التوترات البنيوية في سوق الأسمدة العالمية. ففي الولايات المتحدة، كانت الرسوم تهدف أساساً إلى حماية الصناعة المحلية للفوسفاط، التي يهيمن عليها عدد محدود من المنتجين.
غير أن هذه الإجراءات أثارت انتقادات من بعض المنظمات الزراعية الأمريكية، التي حذرت من تأثيرها على تكاليف الإنتاج، باعتبار أن الأسمدة الفوسفاطية تعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي إلى جانب النيتروجين والبوتاس.
أما بالنسبة للمغرب، فإن الرهان يتجاوز مجرد الولوج إلى السوق الأمريكية، إذ يمتلك البلد نحو 70 في المائة من الاحتياطات العالمية المعروفة من الفوسفاط، ما يمنحه موقعاً محورياً في تزويد العالم بالأسمدة.
مورد استراتيجي
تأتي تطورات الملف أيض في ظل إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية للمواد الأولية الاستراتيجية، حيث ساهمت الاضطرابات الجيوسياسية واللوجستية في إبراز أهمية الأسمدة بالنسبة للأمن الغذائي العالمي.
وفي هذا السياق، بات الفوسفاط يُنظر إليه بشكل متزايد كمورد استراتيجي للزراعة العالمية، وهو ما يعزز أهمية العلاقات التجارية بين كبار منتجي الأسمدة والقوى الزراعية الكبرى.
فتح السوق الأمريكية
ستحدد المراجعة التي تجريها السلطات الأمريكية حاليا ما إذا كانت الرسوم التعويضية المفروضة سنة 2021 ستستمر أو سيتم إلغاؤها. وتهدف هذه العملية إلى تقييم ما إذا كان رفعها قد يلحق ضرراً جديداً بالصناعة الأمريكية للأسمدة.
غير أن قرار واشنطن عدم متابعة الطعن القضائي يمثل مؤشرا واضحا على تحول في مسار النزاع، وقد يمهد الطريق لإعادة فتح السوق الأمريكية تدريجيا أمام الأسمدة الفوسفاطية المغربية، ما قد يضع حدا لخمس سنوات من التوتر التجاري ويؤكد الأهمية المتزايدة للفوسفاط كمورد حيوي في الاقتصاد الزراعي العالمي.
المصدر:
العمق