في سياق الزخم الدولي المتنامي الذي تعرفه قضية الصحراء المغربية مع تزايد المواقف المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، وفي خطوة تنسجم مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا جاد وذا مصداقية ومسارا وحيدا لتسوية النزاع، يأتي تأكيد فنلندا دعمها لهذا المقترح، باعتباره “الأكثر قابلية للتطبيق والأساس الجاد والموثوق للتوصل إلى حل سياسي عادل لجميع الأطراف”، ليعزز الدينامية الدولية الداعمة للطرح المغربي.
يأتي هذا التطور أيضا في ظل حركة دبلوماسية لافتة متمثلة في الاجتماعات التي احتضنتها كل من مدريد وواشنطن، حيث شهدت العاصمة الإسبانية تنظيم جولات مشاورات رفيعة المستوى جمعت ممثلين عن المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، في حين استضافت العاصمة الأمريكية جولة أخرى من المشاورات بحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، اتخذت خطة الحكم الذاتي المغربية كأساس للمفاوضات.
بهذا الخصوص، يرى عبد الفتاح الفاتيحي، خبير سياسي متخصص في قضايا الصحراء والشأن المغاربي مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن “الدعم الفنلندي لمبادرة الحكم الذاتي يعتبر اختراقا دبلوماسيا بالغ الأهمية في موقف دول شمال أوروبا التي كانت تتماهى إلى حد مهم مع خطاب الطرح الانفصالي. ولذلك، فإن تسجيل اختراق جديدة في هذه الدول يعني نهاية حقبة دأبت فيها على التماهي مع الأطروحة الانفصالية لتساير اليوم إجماعا أوروبيا وعالميا يدعم مبادرة الحكم الذاتي”.
وأضاف المتحدث أن “الجانب الفنلندي بات يولي عناية بالغة لما توفره الشراكة مع المملكة المغربية من الفرص الاقتصادية الاستثنائية لشركائها، وهي اليوم لا تنفك تعزز علاقات التعاون مع المغرب على أساس الالتزام بقداسة سيادته الترابية على الأقاليم الجنوبية”. وواصل بأن “تجديد الدعم الفنلندي لمبادرة الحكم يأتي في سياق الاتفاق على تبادل الزيارات على أعلى مستوى، الأمر الذي وفر إمكانية الرفع من علاقات التعاون بين البلدين، مما سيكرس مزيدا من التعاون السياسي والدبلوماسي، لا سيما أن فنلندا تسعى لنيل عضوية مجلس الأمن الدولي، وهي تأمل في إسناد مغربي قوي لما يحظى به المغرب من موثوقية في العلاقات الدولية”.
وأشار الفاتيحي إلى أن مجيء موقف هيلسنكي في إطار مسارات تفعيل القرار الأممي رقم 2797 تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، في شخص مبعوثها الشخصي إلى الصحراء ستيفان دي ميستورا، “يعني أننا أمام زخم دولي يدعم رهانات المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة لحسم نزاع الصحراء في أقرب فرصة على أساس الحكم الذاتي الذي يشكل اليوم إجماعا دوليا”.
من جهته، يرى محمد سالم عبد الفتاح، محلل سياسي باحث مهتم بملف الصحراء، أن “الموقف الفنلندي يأتي ضمن دينامية دبلوماسية أعمق وأوسع تجسد اتجاها واضحا في داخل القارة الأوروبية نحو إعادة تقييم مقاربتها تجاه النزاع المفتعل حول الصحراء، حيث بدأ هذا التوجه يأخذ زخما في السنوات الأخيرة نتيجة تراكم عدد من المعطيات السياسية والاستراتيجية التي عززت موقع المغرب في الساحة الدولية”.
وأشار المحلل السياسي ذاته إلى أن ذلك يأتي في سياق يتناغم مع مواقف عدد من الدول الاسكندينافية التي أعربت عن دعمها لنهج سياسي متوازن يستند إلى الواقعية والحوار، وكذلك مع الغالبية الساحقة من أعضاء الاتحاد الأوروبي الذين أبدوا في مراحل متفاوتة من النقاش الأوروبي تفهما لخصوصيات هذا النزاع وضرورة إنهائه وفق مبادئ احترام سيادة الدول والحفاظ على وحدتها الترابية.
وأضاف عبد الفتاح أن “هذا الدعم الأوروبي المتنامي لا يمكن فصله عن موقف عدد من العواصم الكبرى في القارة التي باتت ترى أن استمرار النزاع دون حلول واقعية يؤثر سلبا على الاستقرار الإقليمي، ويعيق تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني في منطقة حيوية تشكل بوابة لأوروبا نحو إفريقيا، وهو ما يتقاطع مع الرؤية المغربية التي وضعت في صميم مبادرتها للسلام الشامل خطة حكم ذاتي تحت السيادة المغربية تعزز الأمن والتكامل الإقليميين”.
وأبرز المصرح لهسبريس أن تجديد موقف فنلندا يمثل مؤشر ثقة متزايدة في جدية المبادرة المغربية، كما أنه يعكس قدرا متناميا من التفاهم الأوروبي للأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بملف الصحراء.
بدوره، قال المحلل السياسي محمد شقير إن “ما يمنح الموقف الفنلندي دلالات خاصة هو صدوره عن دولة تنتمي إلى الدول الاسكندينافية، التي كان يُنظر إليها في فترات سابقة كأحد المجالات التي تقوم جبهة البوليساريو بالتحرك داخلها واستثمار بعض الفراغات في مواقف عدد من الدول الأوروبية”.
وأكد شقير أن هذا التطور يأتي في سياق ما يشبه الإجماع الأوروبي المتزايد على دعم مبادرة الحكم الذاتي، خاصة في ضوء اللقاءات والتنسيق السياسي الذي شهدته عواصم دولية خلال الأشهر الأخيرة، سواء في مدريد أو واشنطن، وهو ما يعكس تحولا إيجابيا في موازين المقاربات الدولية لهذا الملف.
وفي المقابل، شدد شقير على ضرورة عدم إغفال البعد الاقتصادي في قراءة هذا الموقف، مبرزا أن دعم فنلندا يندرج أيضا ضمن تنافس عدد من الدول الأوروبية على تعزيز حضورها الاستثماري في الأقاليم الجنوبية للمملكة، في ظل الدينامية التنموية التي تعرفها هذه المناطق. كما أشار إلى أن السوق المغربية تحتضن عددا متزايدا من الشركات الفنلندية، مع تسجيل تطور ملحوظ في حجم المبادلات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تقاطع الاعتبارات السياسية مع المصالح الاقتصادية.
المصدر:
هسبريس