قال خبراء في العلاقات الدولية إن تعليق بوليفيا اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة “يعكس تحولا لافتا في تموقعها إزاء نزاع الصحراء، ويؤشر على تنامي قناعة داخل عدد من دول أمريكا اللاتينية بضرورة اعتماد مقاربات أكثر براغماتية وواقعية في التعاطي مع هذا الملف، بما ينسجم مع التحولات الجيو-سياسية الراهنة وموازين القوى داخل المنتظم الدولي”.
تم التعبير عن هذا الموقف عقب محادثة هاتفية جرت بين ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وفرناندو أرامايو، وزير الشؤون الخارجية لدولة بوليفيا متعددة القوميات، أمس الاثنين، وهو ما اعتبره الخبراء “رسالة ذات دلالة عميقة لكل من لا يزال متأخرا عن تكييف مواقفه وإخراجها من النهج الأصولي والمتطرف في تفسير مبدأ تقرير المصير”.
وأضاف هؤلاء الخبراء أن هذه الخطوة تعزز الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل سياسي واقعي وذي مصداقية، مؤكدين أن “توالي مواقف مماثلة من عواصم مختلفة يكرس اتجاها متصاعدا نحو إعادة تقييم المواقف السابقة على ضوء المعطيات القانونية والسياسية المستجدة”، معتبرين أن “الزخم الذي يعرفه ملف الوحدة الترابية يتوجه نحو الحل النهائي”.
عبد الفتاح الفاتيحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، قال إن “تعليق الدولة الأمريكية الجنوبية علاقاتها الدبلوماسية مع البوليساريو هو في الآن ذاته انعطافة تاريخية في السياسة الخارجية لمختلف دول أمريكا اللاتينية التي ستلتحق بالإجماع الدولي في إيجاد حل سياسي لنزاع الصحراء على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية كما أكد على ذلك القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي رقم 2797”.
وأضاف الفاتيحي، ضمن تصريح لهسبريس، أن “الموقف البوليفي يعكس تطورا واضحا، خصوصا أنه كان يعد إحدى قلاع القوى الداعمة لسياسة الجزائر الهادفة إلى تقسيم الدول بما يبقيها الدولة الأكبر في إفريقيا تدور حول فلكها كيانات مصطنعة مثل الدولة الوهمية في الصحراء المغربية”، لافتا إلى أن هذا الموقف هو “الخط المتقدم لانهيار قلاع الأطروحة الانفصالية التي ظلت تدعم جبهة البوليساريو والسياسة الخارجية الجزائرية الراديكالية”.
وأشار المتحدث إلى أن “تطور الموقف البوليفي ومواقف دول أخرى أمريكية لصالح دعم سيادة المغرب على الصحراء يعد صفعة جد مكلفة سياسيا ودبلوماسيا؛ لأنها نقطت السياسة الخارجية الجزائرية سلبيا”، موردا أن ذلك “مبرر كفيل لأن تسارع هذه الدول إلى تصحيح خطأ ممارساتها الدبلوماسية حينما كانت تشارك في مساندة كيانات انفصالية مصطنعة”.
وذكر الفاتيحي أن “سياق ومبررات تعليق بوليفيا علاقاتها مع جبهة البوليساريو والدخول مباشرة في أجندة لتفعيل العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، هو جرس إنذار للمتأخرين عن الالتحاق بالإجماع الدولي الذي بات مؤمنا بضرورة حل نزاع الصحراء على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية”، موردا أن موقف لاباز “يعكس تزايد القناعة بضرورة نهج الأسلوب البراغماتي في السياسة الخارجية للدول بدل الارتهان إلى مفاهيم جامدة لا تزال تشوه مفهوم تقرير المصير بما يهدد الوحدة الترابية والسيادية للأوطان”.
محمد نشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال من جهته إن قرار بوليفيا بتعليق الاعتراف بالجبهة الانفصالية يعكس مراجعة سيادية دقيقة لموقفها من قضية الصحراء المغربية، ويأتي انسجاما مع اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797، الداعي إلى الدخول في مسار تفاوضي جاد وبدون شروط مسبقة على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية.
وبما أن الطرح الانفصالي بات يفقد الكثير من مسانديه حول العالم، أشار نشطاوي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “هذا القرار يعكس تحولا دبلوماسيا مهما ومفصليا في العلاقات بين الرباط ولاباز؛ إذ يفتح المجال لاستئناف العلاقات الثنائية على أسس جديدة، بما في ذلك فتح السفارات وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش أن “موقف بوليفيا الجديد يوضح إدراكها للجانب الشرعي والسيادي للمغرب على أقاليمه الجنوبية، ويؤكد أن الحلول المطروحة تراعي الجوانب الأمنية والتنموية لسكان هذه المناطق، بما يعكس اهتمام المجتمع الدولي بالاستقرار والتنمية في الصحراء المغربية”.
وأكد نشطاوي أن “هذا القرار يتماشى مع الدينامية الإيجابية التي تعرفها قضية الصحراء المغربية على الصعيد الدولي، حيث تتزايد الاعترافات بسيادة المغرب وتتراجع الاعترافات بالكيان الوهمي، ويبرز قرار مجلس الأمن سالف الذكر كمرجعية أساسية لتعزيز الحلول السلمية والدبلوماسية للنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة”.
المصدر:
هسبريس