آخر الأخبار

مقترحات القوانين البرلمانية بين "الضعف التقني" والحاجة للتشريع الوطني 3/3

شارك

بعدما رأينا في الجزأين الأول والثاني حجم التباين في الأرقام وصراع المواقف بين الأغلبية والمعارضة حول أسباب تعثر المبادرة التشريعية البرلمانية وحصيلة الغرفة البرلمانية الثانية نصل، الآن، إلى محاولة فهم الآليات التقنية التي تتحكم في جودة هذه النصوص ودور “حراس البوابة” القانونية في ضمان انسجامها مع المنظومة الوطنية.

يستعرض الجزء الأخير من ملف هسبريس تقاطعات الرؤى بين المؤسسة التشريعية، التي تحاول هيكلة مبادراتها عبر لجنة تقنية لتجويد مقترحات القوانين، وبين الأمانة العامة للحكومة التي تتولى حراسة “الأمن القانوني” وانسجام النصوص؛ ولكن يبقى السؤال هو: ما العمل أمام كل ما تحيط به الجريدة في هذا السجال البرلماني الدستوري؟.

“حارس البوابة”

نادية التهامي، نائبة رئيس مجلس النواب وعضو مكتب هذا المجلس، قالت إن “المادة 179 من النظام الداخلي للمجلس نصت على أن مكتب المجلس يخصص اجتماعا كل شهر على الأقل لدراسة مواضيع مقترحات القوانين المحالة عليه من قبل أعضاء المجلس، وكل مقترح تبين له أنه يمس بتوازن مالية الدولة أو لا يندرج في مجالات التشريع المحددة بفصول الدستور يقوم بإشعار صاحبه كتابة بذلك، ولصاحب المقترح الحق عند توصله بهذا الإشعار أن يتشبث بمقترحه أو يقوم بسحبه أو ضبط صياغته وموضوعه وإعادته لهذا المكتب”.

ووضحت التهامي، تفاعلا مع طلب إيضاحات قدمته جريدة هسبريس، أن “مكتب المجلس أحدث لجنة تعمل تحت إشرافه المباشر مهمتها السهر على دراسة المقترحات المقدمة وتبيان مدى انسجامها مع أحكام الدستور، ولا سيما فصليه 71 و77؛ وهي آلية لم يتم التنصيص عليها إلا في تعديل النظام الداخلي لسنة 2023، بغاية تجويد مقترحات القوانين وتقديم المساعدة لأعضاء المجلس فرقا ومجموعات ونوابا غير منتسبين لضبط الصياغة القانونية وتفادي ملاحظات الحكومة بشأن شكل ومواضيع هذه المقترحات”.

وأضافت النائبة ذاتها أن “هذه التجربة أعطت أكلها، إذ اطلع مكتب المجلس على أزيد من 140 مقترحا وقدم بشأن غالبيتها ملاحظات لتجويدها، تلقتها مختلف الفرق والمجموعة النيابية بصدر رحب وقامت بضبط صياغتها وإعادتها للمكتب في حلّة مكتملة، في انتظار دراستها والتصويت عليها باللجان والجلسات العامّة”، مشيرة إلى أن “المسؤولية السياسية بشأنها تتحملها الحكومة”.

الأكثر من ذلك شددت نائبة رئيس مجلس النواب على أن “هذه الجهود الاستثنائية تهدف بالأساس إلى سد الثغرات القانونية والتقنية التي قد تتذرع بها الحكومة لرفض المبادرات التشريعية البرلمانية”، مؤكدة أن “تجويد الصياغة وضمان المطابقة الدستورية والمالية من شأنه تعزيز القوة التفاوضية للفرق، ووضع السلطة التنفيذية أمام مسؤولياتها السياسية في التفاعل الإيجابي مع مقترحات النائبات والنواب”.

في السياق ذاته اعتبر مصدر رفيع بمجلس النواب أن “المبادرة التشريعية حق مكفول للنواب دستوريا، ويتم التعاطي معها وفق ضوابط النظام الداخلي؛ غير أن تقديم 469 نصا في ولاية تشريعية واحدة يظل رقما مخيفا يعطي انطباعا زائفا، وكأن المغرب يعاني من فراغ تشريعي حاد”.

ووضح المصدر عينه أن “أغلب النصوص لا تتجاوز المادة الواحدة، وهي مسألة سليمة مسطريا؛ لكن تسويقها للرأي العام كمقترحات قوانين مهيكلة يوحي بجهد تشريعي”.

من ناحية أخرى استدعى رشيد المدور، خبير في القانون البرلماني، في نقاشه مع هسبريس، الوثيقة الدستورية، في علاقة الموضوع أساسا بالبرلمان، ودفع بأن ثمة في الأصل “اختلالا بنيويا في التوازن بين البرلمان والحكومة على صعيد المبادرة التشريعية، مستمدا من فلسفة ‘العقلنة البرلمانية’ التي أُسس عليها البرلمان المغربي منذ الدستور الأول”.

ورغم ضمان حق المبادرة بالقوانين للحكومة وأعضاء البرلمان على قدم المساواة نبه المدور إلى أن “النص على اختصاص مكتب المجلس بجدول الأعمال، مع وجوب تضمينه ‘بالأسبقية ووفق ترتيب الحكومة’ لمشاريعها واقتراحاتها المقبولة، يجعل الحكومة مهيمنة فعليا؛ ما يُعطي أسبقية دائمة لمشاريعها على حساب المقترحات البرلمانية، خاصة منها غير المقبولة؛ لذا تصعب برمجتها دون أن تستحيل”.

ولتخفيف هذا الاختلال وإعادة اعتبار للمبادرة البرلمانية وضح الخبير ذاته أن “دستور 2011 أضاف فقرة حاسمة تضمن مساحة أدنى لمقترحات البرلمانيين في جدول أعمال مجلسي النواب والمستشارين، لتمرر إلى الجلسات العامة دون تمييز بين أغلبية ومعارضة؛ فنص الفصل 82 على تخصيص ‘يوم واحد على الأقل في الشهر لدراسة مقترحات القوانين’، ومن بينها تلك من المعارضة”.

على عكس ذلك أفادت الإحصائيات التي تقدمها هسبريس بعدم تجاوز 20 جلسة لكل فترة تشريعية منذ إقرار هذا المقتضى الدستوري؛ وهو ما يتطلب، وفق المتحدث، “اهتماما أكبر بتفعيله”، ولذلك لفت إلى أن جزءا من المسؤولية في تلكؤ مقترحات القوانين “يقع على البرلمانيين أنفسهم، خاصة مكتب المجلس ومكاتب اللجان، ناتجا عن فهم غير سليم للفصل 82 المتعلق بجدول الأعمال”.

وأورد العضو السابق في المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية) أن “الدستور عندما نص على تضمينه ‘بالأسبقية ووفق ترتيب الحكومة’ لمشاريعها واقتراحاتها المقبولة لم يمنع برمجة باقي المقترحات غير المقبولة؛ وحق الحكومة يقتصر على الأسبقية والترتيب فحسب”.

وتابع المدور: “ولو أراد المشرع حصر البرمجة في المقبولة لنصّ على ذلك صراحة، لذا يكون تعليق برمجة المقترحات على موافقة الحكومة مخالفا للدستور، نصا وروحا”.

وردّ مصدر مسؤول في مجلس النواب مؤكدا أن “المساطر المتخذة من لدن مكتب المجلس تتم بالتوافق مع أعضاء المكتب، وتُنجز غالبا بالإجماع دون الحاجة إلى الحسم بالتصويت”، معتبرا أن “المسطرة تُدبَّر في ضوء المقتضيات الدستورية والنظام الداخلي للمجلس؛ لكن زحمة الأجندة أحيانا قد تؤثر على عدم عقد جلسات عامة”، لافتا إلى أن “المسطرة تُحترم واجتماعات المجلس حول النصوص المقدمة منتظمة”.

نحو قراءة تقنية خالصة

توجهت الجريدة في هذا النقاش الدستوري والقانوني إلى الأمانة العامة للحكومة، التي نبهت إلى أن تدخلها “ينحصر في إطار اللجنة التقنية البين وزارية المحدثة لهذا الغرض في فحص مقترحات القوانين فحصا قانونيا وتقنيا، يروم التأكد من مطابقتها المبادئ المتعلقة باحترام دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها، والتقيد بمبدأ الفصل بين مجال القانون ومجال التنظيم، ومراعاة الالتزامات الدولية للمغرب، وتدقيق المقتضيات المتعلقة بدخول النص حيز التنفيذ”.

ووضح عبد الخالق الدحماني، مستشار قانوني للإدارات بالأمانة العامة للحكومة، أن دور المؤسسة يكمن أيضا في “التحقق من سلامة الصياغة التشريعية ودقتها ووضوحها ومقروئيّتها، بما يضمن انسجام النصوص المقترحة مع باقي مكونات المنظومة القانونية الوطنية، ويحد من مخاطر التعارض أو الغموض أو صعوبة التطبيق، خاصة في سياق الإصلاحات التشريعية الكبرى وما تثيره من إشكالات مرتبطة بتدبير المراحل الانتقالية”.

علاوة على ذلك أفاد الدحماني بأن “مصالح الأمانة العامة للحكومة عند دراستها مقترحات القوانين المعروضة عليها تأخذ بعين الاعتبار الاجتهادات القضائية، ولا سيما قرارات القضاء الدستوري، عملا بحجّيتها المقررة بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 134 من الدستور، وكذا قرارات محكمة النقض وتوصيات الهيئات والمؤسسات الوطنية الدولية ذات الصلة، كما يمكنها الاستئناس بالتشريعات المقارنة والاجتهادات الفقهية”.

وبينت هذه الإفادة درجة التعقيد التي تنطوي عليها مهمة افتحاص مبادرات البرلمان، لكن المستشار القانوني للإدارات بالأمانة العامة للحكومة قال إن “هذا الدور يُمارس في إطار احترام تام لصلاحيات السلطة التشريعية ولمبدأ حرية المبادرة التشريعية البرلمانية، ودون أي تدخل في مضمون الاختيارات أو التوجهات السياسية التي تتضمنها مقترحات القوانين، على اعتبار أن مراقبة الشرعية تظل رقابة قانونية محضة لا تمس بجوهر القرار التشريعي”.

وتابع المتحدث عينه: “هذه الممارسة تهدف إلى الإسهام في تحسين جودة التشريع، وتعزيز وضوحه وقابليته للتنفيذ، وترسيخ استقرار القواعد القانونية، بما يخدم المصلحة العامة ويكرس مبدأ سيادة القانون”.

المثير الذي يكشف عنه المستشار سالف الذكر يتعلق بجدة المقترحات وأصالة مضمونها، وسجل أنه “تبين للأمانة العامة للحكومة، من خلال ممارسة مهامها في إطار اللجنة التقنية لدراسة مقترحات القوانين، أن بعض مقترحات القوانين المقدّمة تتضمن، أحيانا، مقتضيات لا تنسجم مع مكونات الكتلة القانونية الوطنية، سواء من حيث احترام دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها، والتقيد بمبدأ الفصل بين مجال القانون ومجال التنظيم، ومراعاة الالتزامات الدولية للمغرب”.

وبما أن ممارسة حقوق البرلمان في هذا الجانب تظل، من حيث المبدأ، مقيدة بمجالات القانون المحددة دستوريا وبضرورة احترام قواعد الانسجام والحاجة إلى التشريع ووحدة المنظومة القانونية، فإن دراستها قد تكشف عن إشكالات قانونية أو عملية تحول دون تبني هذه النصوص؛ ومنها إلى جانب ما سلف ذكره “اندراج موضوع المقترح ضمن التشريعات التي التزمت الحكومة بمراجعتها مسبقا، أو ارتباط المقترح بإصلاحات شمولية تستوجب مقاربة تشاركية ومشاورات موسعة”.

ما العمل؟

في إطار البحث عن حلول قال مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة، في تصريح لهسبريس، إن وزارته “منكبة حاليا على تعميم النظام المعلوماتي المندمج المعمول به في معالجة الأسئلة البرلمانية، ليشمل كذلك مجال العمل التشريعي؛ بهدف تيسير التواصل والتنسيق مع الجهات المعنية بهذا المجال، وكذا تسهيل الولوج إلى المعلومات المتعلقة بالمبادرة التشريعية سواء الحكومية أو البرلمانية”.

من جانبه اقترح محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، “تعزيز حضور مقترحات القوانين في المشهد التشريعي عبر إقرار مسطرة تشريعية خاصة ومستقلة عن تلك المعتمدة في مشاريع القوانين؛ لتفادي ازدحام الأجندات وضغط الآجال الراهن”، داعيا إلى “اعتماد سقف عددي محدد لمقترحات كل فريق نيابي ضمانا للجودة والنوعية، إذ لا يستقيم أن يودع فريق واحد أكثر من 100 مقترح تفتقر إلى الأثر القانوني، ويكون هدفها مجرد تضخيم الحصيلة الرقمية”.

وفي مقدمة هذه الإصلاحات الضرورية تجمع مكونات المعارضة على “ضرورة إقرار آجال زمنية ملزمة لدراسة مقترحات القوانين، سواء داخل اللجان الدائمة أو على مستوى إحالتها على الحكومة لإبداء الرأي”، معتبرة أن “غياب هذه الآجال هو أحد أهم أسباب تعطيل عدد كبير من المبادرات التشريعية، ويحول حق المبادرة إلى حق شكلي”.

كما تقترح المعارضة النيابية، عبر رؤساء الفرق عبد الرحيم شهيد وإدريس السنتيسي ورشيد حموني وعبد الله بووانو، “تعزيز الدعم التقني والبحثي للفرق النيابية، وتكريس آليات للتنسيق المسبق مع الحكومة”، وإيجاد “طريقةٍ مناسبة من أجل إلزام الحكومة بالحضور في جلسات مُناقشة مقترحات القوانين والتعبير عن موقفها حضوريا، فإما أن تُقنِع أو تقتنع”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا