آخر الأخبار

دور الموظف الترابي في إنجاح برامج العمل والتنمية الحضرية: جماعة أكادير نموذجا

شارك

بقلم: الدكتور جمال العزيز

إن الحديث عن برنامج التنمية الحضرية بمدينة أكادير لا يمكن اختزاله في حجم المشاريع المنجزة أو في قيمة الإعتمادات المرصودة، لكن ينبغي أن ينصرف أساسا إلى العنصر البشري الذي يشكل العمود الفقري لكل تحول تنموي.

فخلف كل ورش مفتوح وكل خدمة عمومية منتظمة، تقف كفاءات إدارية وتقنية راكمت خبرة طويلة في تدبير الشأن المحلي، وأسهمت عبر عقود في بناء نموذج إداري متميز داخل جماعة أكادير.

لقد عرفت المدينة تحولات كبرى، من مرحلة إعادة البناء إلى مراحل التوسع العمراني، وصولا إلى الدينامية التنموية الراهنة التي جعلت من أكادير قطبا سياحيا واقتصاديا وطنيا . وخلال كل هذه المراحل، ظل الموظف الترابي حاضرا باعتباره الضامن لاستمرارية المرفق العام، والحارس الأمين على حسن تنفيذ البرامج والمشاريع، والمساهم الفعلي في تحقيق التوازن بين الرؤية السياسية ومتطلبات المدينة.

إن برنامج عمل الجماعة ، بما يحمله من أهداف استراتيجية، لا يتحول إلى إنجازات ملموسة إلا بفضل الجهد اليومي للأطر الإدارية والتقنية والمالية التي تسهر على ضبط المساطر القانونية، وتتبع الصفقات العمومية، ومراقبة جودة الأشغال، وضمان احترام الآجال.

وفي سياق حضري معقد ومتعدد المتدخلين، تصبح الخبرة التراكمية لأطر الجماعة عاملا حاسما في تجاوز الإكراهات وتسريع وتيرة الإنجاز.

غير أن هذه الدينامية التنموية، في ظل التحولات العمرانية الكبرى التي تعرفها أكادير، تفرض اليوم إعادة ترتيب البيت الداخلي للإدارة الجماعية عبر إخراج هيكل تنظيمي حديث وفعال، قادر على مواكبة حجم التحديات وضمان وضوح الإختصاصات وسلاسة اتخاذ القرار. فالهيكل التنظيمي أداة استراتيجية لترسيخ الحكامة الجيدة وتكريس التدبير القائم على النتائج.

لقد أثبت أطر وموظفو جماعة أكادير عبر سنوات طويلة، قدرة عالية على التكيف مع التحولات المؤسساتية والقانونية التي عرفها المغرب. كما برهنوا على حس مهني عال في تدبير الملفات التقنية والمالية الدقيقة، وعلى روح التزام ومسؤولية في خدمة الصالح العام، وهو ما انعكس إيجابا على صورة الإدارة الجماعية وعلى مستوى الثقة الذي تحظى به لدى الساكنة.

غير أن اقتراب إحالة عدد مهم من الموظفين على التقاعد خلال السنوات المقبلة يجعل من اعتماد الهيكل التنظيمي مسألة استعجالية لضمان الإستمرارية المؤسسية والحفاظ على التراكم الإداري الذي ميز جماعة أكادير عبر تاريخها، مع تمكين الأجيال الجديدة من الإستفادة من الخبرة المتراكمة في إطار انتقال منظم ومتوازن.

ولا يمكن إغفال أن المرحلة الراهنة، بما تتسم به من تسارع في وتيرة المشاريع الكبرى، تفرض ضغطا مضاعفا على المصالح الجماعية، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو التتبع. غير أن ما يميز تجربة أكادير في المرحلة الحالية هو ذلك الإنسجام الواضح بين الرؤية السياسية للمجلس الجماعي والكفاءات الإدارية والتقنية التي تتولى التنزيل العملي للبرامج، وهو انسجام طبع أداء المجلس الجماعي الحالي وأعطى دفعة نوعية لمسار الإنجاز. فوضوح التوجهات الإستراتيجية وتحديد الأولويات، واحترام الأدوار بين المنتخَب والإدارة، كلها عناصر أسهمت في خلق مناخ عمل قائم على الثقة والتكامل، بما يعزز فعالية القرار ويُسرِّع وتيرة التنفيذ.

إن الموظف الجماعي شريك أساسي في صناعة القرار المحلي من خلال الخبرة التقنية والإستشارة المهنية، وهو الضامن لإحترام القانون وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وكلما تم الإستثمار في تكوينه وتحفيزه وتمكينه من أدوات العمل الحديثة، كلما ارتفعت جودة الأداء الجماعي وتسارعت وتيرة التنمية.

إن الإعتراف بمجهودات أطر وموظفي جماعة أكادير ليس مجاملة ظرفية، لكن هو تقدير موضوعي لدورهم التاريخي في مرافقة مسار تطور المدينة، وفي الحفاظ على استمرارية الخدمات العمومية رغم الإكراهات المالية والبشرية. كما أن تعزيز هذا الرصيد البشري، عبر تنظيم إداري حديث واستباقي، يظل شرطا أساسيا لنجاح برامج العمل المقبلة، ولتحقيق تنمية حضرية مستدامة تعزز تنافسية أكادير وترسخ مكانتها كمدينة منفتحة ومتوازنة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إطلاق مشاريع جديدة، بل في صيانة وتطوير الكفاءات التي صنعت تجربة الجماعة عبر عقود، وفي ترسيخ ثقافة الأداء والنجاعة داخل إدارة مهيكلة بوضوح، بما يجعل من الموظف الترابي ركيزة أساسية في إنجاح السياسات العمومية المحلية، وفي خدمة المواطن باعتباره الغاية والهدف من كل عمل تنموي.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا