آخر الأخبار

“ألطو” لعبة إسبانية تظهر في ليالي رمضان بالمدن الشمالية

شارك

في ليالي رمضان بمدينة الناظور، حيث تختلط أصوات المارة برائحة الشاي بالنعناع ودخان السجائر، تتحول بعض المقاهي الشعبية إلى مسرح صغير يجمع الناس حول لعبة قديمة ذات أصول إسبانية، تعرف محليا بـ”ألطو” أو “الكارتون”. هناك، يجلس شباب وأطفال وشيوخ على طاولات خشبية متآكلة، يضعون أحجارا صغيرة فوق مربعات أوراقهم، بينما يعلو صوت صاحب “الخنشة” معلنا أول رقم: “برميرا بولا”. لحظة افتتاحية تشد الأنظار وتحبس الأنفاس، كأنها إشارة لانطلاق طقس جماعي لا يتكرر إلا في هذا الشهر الفضيل.

اللعبة، التي لا تظهر إلا في رمضان، تقوم على المراهنة البسيطة: بدرهم أو درهمين يحصل اللاعب على ورقة “الكارتون”، فيما يمكن للفائز أن ينال خمسة عشر درهما في كل مباراة. وبينما تبدو الأرقام مجرد رموز مطبوعة على أوراق، فإنها تحمل في جوهرها رهانات صغيرة، حيث الأمل والخيبة يتجاوران على نفس الطاولة.

داخل المقهى، يخيم صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت صاحب “الخنشة” وهو يعلن الأرقام واحدا تلو الآخر: “4، 55، 17، 39، 43، وبيلا و90”. وجوه متجهمة وأخرى متلهفة، وأصابع ترتجف وهي تغطي الأرقام المعلنة بالحجارة أو بأي شيء متاح أمامها. الجميع في حالة ترقب، كأنهم ينتظرون وصول عزيز غاب عنهم سنوات طويلة. وفجأة، يصرخ أحدهم: “ألطو”، معلنا الفوز بعد أن نجح في تصفيف خمسة أرقام أفقيا، فينفجر المكان بالدهشة والخيبة في آن واحد.

هذه اللعبة، التي يصفها كثيرون بأنها “قمار”، تختلف عن باقي الألعاب الإسبانية التي استمرت في مدن الشمال بعد رحيل المستعمر، مثل “بارتشي”، “دومينو”، “الكارطا”. فهي وحدها التي تعود إلى الواجهة في رمضان، لتصبح جزءا من المشهد الليلي، حيث يسارع الصغار والكبار بعد الإفطار إلى المقاهي التي تحتضنها، وكأنها موعد لا يفوت.

ورغم بساطتها، فإنها تخفي وراءها قصصا إنسانية مؤلمة. يحكى عن شاب كان يحمل في جيبه خمسمائة درهم، مخصصة لشراء دواء لأمه المريضة، غير أنه خسرها كلها في ليلة واحدة بعدما أغراه بريق الربح السريع. هكذا تتحول اللعبة من تسلية جماعية إلى مأساة فردية، حيث الأمل في الفوز قد يبتلع ما تبقى من قوت يوم أو دواء حياة.

في زاوية المقهى، يقول مصطفى، وهو شاب في العشرينات: “اللعبة بالنسبة لي مجرد تسلية، أضع درهما أو درهمين وأضحك مع الأصدقاء. لكنني أعرف أن هناك من يخسر أكثر مما يحتمل، لذلك أحاول أن أبقى حذرا. “أما الحاج عبد السلام، شيخ تجاوز السبعين، فيبتسم وهو يضع حصاة صغيرة على ورقته قائلا :”ألعب منذ سنوات طويلة، هي عادة رمضانية أكثر منها مقامرة. أشعر أنني أستعيد شيئا من الماضي، حين كانت هذه اللعبة منتشرة في مدن الشمال.”

وعلى الطاولة المقابلة، يروي سعيد، موظف بسيط، تجربته بمرارة: “كنت أظن أنني سأربح بسهولة، لكنني خسرت ما كنت أحتاجه لشراء حاجيات البيت. منذ تلك الليلة، صرت أكتفي بالمشاهدة، لا أريد أن أكرر الخطأ.” شهادات متباينة تكشف الوجهين المتناقضين للعبة: فسحة جماعية للترفيه من جهة، ومقامرة محفوفة بالخسارة من جهة أخرى.

المشهد لا يخلو من مفارقات. فبينما تمارس اللعبة أمام أعين السلطات دون تراخيص رسمية، تظل حنجرة صاحب “الخنشة” تصدح بالأرقام حتى ما قبل أذان الفجر، شاهدة على لعبة تجمع الناس وتفرقهم، وتحوّل ليالي رمضان إلى مسرح صغير تتقاطع فيه الحكايات. هناك من يربح لحظة فرح عابرة، وهناك من يخسر ما لا يعوض، وبينهما جمهور واسع يجد في “الكارتون” فسحة للهروب من رتابة اليوم.

ومع ذلك، يظل “الكارتون” حاضرا في مقاهي الشمال، يطل كل رمضان كضيف قديم لا يغادر، يختلط فيه الحنين بواقع اجتماعي يبحث عن فسحة للترفيه، ولو عبر لعبة تحمل في طياتها مخاطرة لا تخلو من مرارة. وبين الأمل والخيبة، بين الصمت والصرخات، تظل اللعبة شاهدا على علاقة الناس بالمقامرة الصغيرة، وعلى قدرتهم على تحويل لحظة عابرة إلى طقس جماعي يطبع ذاكرة المدينة كل رمضان.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا