دخلت التمثيليات النقابية لصيادلة المغرب في مواجهة مفتوحة مع مجلس المنافسة، معلنة رفضها لما وصفته بـ“النهج الإقصائي” الذي اعتمده المجلس في تعاطيه مع ملف القطاع، متوعدة باللجوء إلى خطوات قانونية ونضالية قد تصل إلى خوض إضراب وطني عام غير مسبوق.
في خضم الجدل المتصاعد حول توصيات مجلس المنافسة بخصوص وضعية سوق توزيع الأدوية بالمغرب، دخل رئيس المجلس، أحمد رحو، على خط النقاش بردّ رسمي موجّه إلى رئيس الكونفدرالية الوطنية لصيادلة المغرب، ساعيا إلى توضيح خلفيات الرأي الاستشاري الصادر عن المؤسسة وحدود اختصاصها الدستوري والقانوني.
الرد الذي جاء في سياق انتقادات مهنيي القطاع لبعض خلاصات المجلس، أعاد التأكيد على استقلالية المؤسسة في تحليلها للمعطيات الاقتصادية والقانونية، وعلى أن توصياتها تندرج ضمن صلاحياتها الاستشارية التي يبقى تفعيلها رهينا بقرارات السلطات الحكومية والتشريعية.
وجاء في بلاغ رقم 1 موجه إلى الرأي العام الوطني، صادر عن الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب والاتحاد الوطني لصيادلة المغرب والنقابة الوطنية لصيادلة المغرب، أن هذه الهيئات المهنية تستنكر “بشدة” إقصاءها من الاجتماع الثاني الذي دعا إليه مجلس المنافسة، معتبرة ذلك خرقا لمبدأ الحوار والتشاور المنصوص عليه دستوريا.
وأكدت الهيئات ذاتها أن استبعاد التمثيليات النقابية من الاجتماع المذكور يشكل، بحسب تعبيرها، “تنصلا من الوعود التي سبق أن قُطعت في اجتماع رسمي”، ويطرح علامات استفهام حول “مصداقية ونزاهة عمل المجلس” في مقاربته للقطاع الصيدلي.
ووصفت ما اعتبرته “إقصاء غير مبرر للفرقاء الأساسيين لمهنة الصيدلة” بأنه انزلاق خطير عن مبادئ الديمقراطية والشفافية والإنصاف، مشددة على رفض أي خلاصات أو توصيات قد تمنح امتيازات لجهات معينة أو تمس بمصالح المهنيين وصحة المواطنين.
وفي لهجة تصعيدية، أعلنت التمثيليات النقابية المذكورة أنها ستلجأ إلى جميع الخطوات القانونية والنضالية للدفاع عن مهنيي القطاع، بما في ذلك خوض إضراب وطني عام غير مسبوق، تعبيرا عن رفضها لما وصفته بالمساس بالضوابط الأخلاقية والعلمية والاقتصادية لمهنة الصيدلة.
كما أكدت التزامها بـ“فضح أي مؤامرة” قد تستهدف الصيادلة أو صحة المواطن المغربي، داعية مجلس المنافسة إلى الالتزام بالحوار الشامل والبناء مع جميع الأطراف المعنية، حفاظا على المصلحة العامة وصونا لمصداقية المؤسسات.
يأتي هذا التصعيد في سياق توتر متزايد بين هيئات الصيادلة ومجلس المنافسة حول طريقة تدبير ملفات مرتبطة بتنظيم القطاع، في انتظار ما ستؤول إليه المشاورات المقبلة وما إذا كان الطرفان سيتجهان نحو تهدئة تحفظ استقرار مرفق حيوي يرتبط مباشرة بصحة المواطنين.
في هذا الإطار، قال محمد حواشي، نائب رئيس الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب، إن مجلس المنافسة “مؤسسة دستورية يفترض أن تكون مستقلة بشكل كامل”، مضيفا أن ما وقع “يشكل خرقا سافرا لمبدأ استقلالية المؤسسات الدستورية المنصوص عليه في الدستور”.
وأوضح حواشي أن النقابات تفاجأت خلال الاجتماع الأول، الذي كان مخصصا-حسب قوله-لمناقشة موضوع أثمنة الأدوية، بإدراج توصيات تتعلق بإحداث سلاسل للصيدليات، وتحرير أوقات العمل، وإلغاء المسافة القانونية المنصوص عليها في القانون 17.04 المنظم للمهنة، وهو ما اعتبره خروجا عن موضوع الاجتماع.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن رئيس مجلس المنافسة كان قد وعد، خلال الاجتماع الأول، بتصحيح ما اعتبرته النقابات “اختلالات” في التقرير وإعادة صياغة التوصيات، غير أن الاجتماع اللاحق-وفق روايته-عرف إقصاء النقابات المهنية بشكل كامل، والاكتفاء بدعوة المجلس الوطني وبعض ممثلي المجالس الجهوية.
وقال حواشي إن المقاربة التي يقترحها المجلس تهدف إلى “إقصاء حوالي 14 ألف صيدلي يشغّلون ما يقارب 40 ألف عامل”، معتبرا أن الاتجاه نحو نموذج سلاسل الصيدليات “مستورد ولا يراعي خصوصية النموذج المغربي ودور الدولة الاجتماعية”.
وشدد على أن الصيادلة يرفضون أي توجه من شأنه “تحويل قطاع صحي حساس إلى منطق تجاري صرف”، مبرزا أن كل صيدلية في المغرب يشرف عليها صيدلي مسؤول قانونيا وأخلاقيا عن الأدوية التي يبيعها وعن احترام الأسعار والقوانين الجاري بها العمل.
في المقابل، وجّه أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، ردا رسميا إلى رئيس الكونفدرالية الوطنية لصيادلة المغرب، أوضح فيه الإطار القانوني الذي يؤطر تدخل المجلس في هذا الملف.
وأفاد رحو بأن اختصاصات مجلس المنافسة، باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة، تستند إلى مقتضيات القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، والقانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة كما تم تغييره وتتميمه، وذلك انسجاما مع أحكام الدستور، لا سيما الفصلين 35 و166، اللذين يكرسان مبدأ حرية المنافسة ويحددان مهام المجلس في السهر على تنظيم المنافسة الحرة والمشروعة، وضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، من خلال تحليل وضبط المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها، والممارسات التجارية غير المشروعة، وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار.
وأوضح رئيس المجلس أنه تفعيلا لاختصاصاته الاستشارية المنصوص عليها في المادة الرابعة من القانون 20.13، بادر إلى إصدار رأيه حول وضعية المنافسة بسوق توزيع الأدوية بالمغرب بموجب القرار عدد 20/ق/2025 الصادر بتاريخ 10 فبراير 2025. وشدد على أن المجلس لا يكتفي بتجميع آراء الفاعلين والاستماع إلى مواقفهم، بل يصوغ توصياته بناء على تحليل مستقل للمعطيات القانونية والاقتصادية والموضوعية التي تم استقصاؤها، مع التأكيد على أن الآراء الصادرة عنه تبقى ذات طبيعة استشارية، يعود للسلطات الحكومية والتشريعية تقدير مدى الأخذ بها وتحويلها إلى إصلاحات تنظيمية أو تشريعية.
وكشف الرد أن خلاصات المجلس بشأن سوق توزيع الأدوية أظهرت وجود اختلالات بنيوية على مستوى حلقة التوزيع بالتقسيط داخل الصيدليات، باعتبارها نقطة الاتصال الأولى بين المواطن والمنظومة الصحية، وهو ما يؤثر سلبا على توازنها الاقتصادي ويهدد استمراريتها على المدى المتوسط والبعيد. ودعا في هذا السياق إلى التفكير في إصلاحات شاملة تعيد تقييم النموذج الاقتصادي للصيدليات، عبر مقاربة متكاملة تعزز نجاعتها واستدامتها بعيدا عن آليات الدعم العمومي التي أثبتت محدوديتها في قطاعات أخرى.
وأشار المجلس إلى أن النموذج الحالي أبان عن هشاشته البنيوية، خاصة في ظل الضغط المستمر على الأسعار وهوامش الربح، وارتباط مداخيل الصيدليات حصريا بسعر الدواء، في وقت تعرف فيه الأدوية انخفاضات متتالية. كما لفت إلى محدودية تثمين العمل الصيدلي والخدمات المهنية المرتبطة به، في سياق لا يتجاوز فيه متوسط الاستهلاك الدوائي بالمغرب 640 درهما للفرد سنويا.
ومن بين العوامل الأخرى التي رصدها المجلس، ارتفاع كثافة العرض الصيدلي بشكل غير متوازن ترابيا، إضافة إلى الصعوبات المتزايدة في استيعاب الخريجين الجدد، حيث بلغ عدد المتخرجين سنة 2024 نحو 910 مقابل 297 سنة 2016، أي بزيادة تفوق 200 في المائة، وهو ما يضاعف الضغط على الشبكة الصيدلية.
وفي ما يتعلق بمسألة فتح رأسمال الصيدليات، أوضح المجلس أنه يشترط منع مساهمة المؤسسات الصيدلية الصناعية، أو الواصفين، أو المصحات الخاصة ومجموعات الصحة، أو هيئات التأمين، أو أي فاعل اقتصادي ذي قوة سوقية مؤثرة، بما في ذلك سلاسل التوزيع الكبرى، في رأسمال الصيدليات، تفاديا لتضارب المصالح أو الإخلال بقواعد المنافسة.
واعتبر أن فتح رأسمال الصيدليات بشكل مؤطر يمكن أن يشكل رافعة هيكلية لمواكبة تحول القطاع وتعزيز استدامته، مستندا في ذلك إلى دراسات مقارنة أظهرت إمكانية اعتماد هذا الخيار ضمن ضوابط دقيقة. ودعا إلى إطلاق نقاش وطني تشاركي يضم مختلف الفاعلين، لاستلهام تجارب دول مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال، مع تكييفها وفق خصوصيات السياق الوطني ومتطلبات المنظومة الصحية المغربية.
وختم مجلس المنافسة بالتأكيد على استعداده لعقد اجتماع مع الهيئات المهنية المعنية لعرض رؤيته المبنية على تحليل موضوعي للمعطيات والخلاصات، بما يضمن إصلاحا متوازنا وتدريجيا ومستداما لقطاع الصيدليات بالمغرب، في إطار منافسة حرة وعادلة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
المصدر:
هسبريس