اعتبر الكاتب والروائي المغربي عبد القادر الشاوي أن “الفساد في المجتمع لا ‘يتبلور’ بصورة متنامية إلا لأنه يحقق للأفراد والجماعات ما يُمكنهم ويضمن لهم، باختلاف أوضاعهم المعيشية ودرجة تطورهم الفكري ونوازعهم الأخلاقية أو شعورهم الديني، تحقيق منافعه بأيسر الطرق وأسرع الأوقات وفي سرية مضمونة، وذلك ضدا على جميع القوانين والشرائع الناهية عنه والأوضاع المانعة لحدوثه”.
وأشار الشاوي، في مقال له حول الموضوع، عنونه بـ”ما كان قليله فاسداً فكثيره أفسد”، إلى أن “التقدير الحقيقي لمفهوم الفساد اعتمادا على الوعي النقدي لا يكون إلا من خلال الوعي الديمقراطي الذي يراه ممارسة وسلوكا، منذرا بالتخريب الشامل لبنى المجتمع ولفحوى القوانين الضامنة للاستقرار وللتطور ولمرامي تنمية المجتمع في سبيل ازدهاره، بل وللنظم السياسية القائمة نفسها”.
ولفت الكاتب والروائي المغربي ضمن مساهمته في الكتاب الجماعي “شروخ المعنى، كتابات ضد الفساد”، الذي تنشره الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، وجرى تقديمه مؤخراً، إلى أنه “رغم الوعي بخطورة الفساد على التنمية والتطور، فضلا عن إفساد السلوك وقتل مختلف المعاملات الخاضعة لآفته، فإن إنشاء مؤسسات الحكامة، التي تعمل على محاربة الرشوة والتوعية بمخاطرها واقتراح الحلول الممكنة للتغلب عليها، لم ينفع في شيء كثير بحكم المقاومات المختلفة الآتية من طبيعة المعاملات الاقتصادية”.
وتطرق الروائي المغربي البارز إلى مقاومات أخرى، غير اقتصادية، لكنها ترتبط في اجتماعها بـ”السوق والمنافسة والمصالح المتفاوتة التي تزكي مختلف الأساليب الضامنة للترقية الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية أو غيرها”، مشددا على وجود مؤشرات عدة تدل على أن “الفساد في المغرب أصبح شبه معمم، وعلى درجة واضحة من الشمول في مختلف القطاعات الإنتاجية وغير الإنتاجية”.
وتابع الشاوي: “من التقدير الواعي للوضعية القائمة أن يقول المحلل إن الفساد يتحول، في ظل النظم التي تقمع الحريات، وتضيّق الخناق على المواطن في معاشه وحياته، إلى أسلوب مبرر، بأقوى ما يمكن أن يكون عليه التبرير، لقضاء المصلحة وجني المنفعة والوصول إلى المراد حتى ولو كان وقتيا وسريعا؛ بل ويصبح تبرير الفساد أخلاقيا ودينيا من أساليب التأويل التي تزكيه بطريقة برغماتية تتوافق مع الرغبات الذاتية التي يعلنها ويعمل بها الأفراد، أو المؤسسات، في الميادين المتصلة بالمصالح والأغراض”.
ورغم أن الدستور المغربي لسنة 2011 ينص في أكثر من بند على دعم الوسائل والآليات القمينة بترسيخ قيم الشفافية وتعزيز النزاهة والإنصاف والحكامة الجيدة، ومكافحة كل مظاهر الفساد من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة إلخ، فقد سجل الكاتب أن “المظاهر العامة لوجوده على صعيد المجتمع برمته، فضلا عن مؤسسات الدولة، مازالت قائمة على الرشوة واقتصاد الريع المنتشر بين الموظفين في القطاع العمومي الصحة، والأمن، والسلطة المحلية وفي قطاع الصفقات العمومية كذلك”.
وأشار صاحب “كان وأخواتها” إلى أن الفساد يُكلف الكثير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، مبرزاً أن الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي انطلقت رسميا في شهر ماي 2016، وهي حصيلة دراسة اهتمت بتقييم كل البرامج الحكومية السابقة وخلاصات التقارير الوطنية والدولية، “لا يبدو أنها حققت شيئا مما رصدته وتوجهت للتغلب عليه”.
وقال الناقد ذاته إن “الإقرار باستشراء الفساد والعمل في سبيل الحد منه تمهيدا للقضاء عليه، ولو في الحدود المشروعة إن كانت، لا يمكن أن يتم في ما يبدو إلا من خلال مقاربة شمولية عمادها الاحتكام إلى القانون العادل، وإلى القضاء النزيه، وإلى الحكامة الرشيدة”، مضيفاً أن “مبدأ التوازن، المبني على فصل السلط، والتسليم بالحريات العامة، والتوزيع العادل للخيرات الوطنية، يقوم على ذلك ويرتهن به أيضا”.
ويتشدد الشاوي في هذه “الخلاصة” لأن “ما عداها هو الذي يكرس الاستبداد ويجعله من أسباب وجود الفساد وحياته واستشرائه المخيف، بل ويحوله إلى أسلوب في التحكم، إلى سلطة سرية غير مقننة على المجتمع وعلى دولته بمختلف أجهزتها”، مبرزا أنه “في هذا المستوى يمكن للمحلل أن يدرك تماما كيف أن السلطة هي أهم وسيلة للتحكم في الفساد وإدامته لأنه يُشَرْعِن سيادتها”.
المصدر:
هسبريس