قال أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، إن الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات كبرى في العصر الحالي، مبرزًا أن من مسؤوليات الإنسان استشراف المستقبل والاستعداد لتحولاته، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم.
وخلال محاضرة بعنوان “التدين في الزمن الرقمي: الفرص والتحديات”، ألقاها مساء الخميس، من تنظيم منتدى كفاءات إقليم تاونات، أكد عبادي أن العالم يعيش اليوم ظاهرة غير مسبوقة تتمثل في الذكاء الاصطناعي التوليدي، موضحاً أن هذا التطور لم يظهر فجأة، بل جاء نتيجة مسار طويل من الأبحاث في مجال تدريب الآلات ومحاكاة اشتغال العقل البشري.
وأوضح المتحدث ذاته أن بعض النماذج المتقدمة من الذكاء الاصطناعي بدأت تتجه إلى بناء ما يشبه منظومات رمزية خاصة بها، مشيراً إلى أن بعض الباحثين تحدثوا عن ظهور ما يشبه “ديناً” خاصاً بعناصر الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من منطق البحث عن مرجعية عليا تنظم القيم، ورابطاً هذا التصور بنقاشات فلسفية قديمة حول الحاجة إلى مرجع متعال ينظم الأخلاق، كما طرحها الفيلسوف أوغست كونت، مؤسس الفلسفة الوضعية، وعالم الاجتماع إميل دوركايم الذي تناول دور البنى الاجتماعية في تشكيل المرجعيات القيمية.
وأشار الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي ارتبط بأعمال عدد من رواد هذا المجال، من بينهم مارفن مينسكي الذي حاول في كتابه “The Society of the Mind” فهم آليات اشتغال العقل الإنساني وإمكانية محاكاتها بالآلة، قبل أن تتطور هذه الأبحاث لاحقاً مع ظهور تقنيات التعلم العميق والتعلم غير المراقَب، التي سمحت للآلات بتحليل كميات ضخمة من البيانات واستخلاص أنماط معرفية معقدة.
وأضاف المسؤول الديني نفسه أن بعض الباحثين البارزين في المجال، ومنهم جيفري هينتون، حذروا من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المعاصرة أصبحت تعمل بآليات يصعب على الإنسان فهمها، في ما تعرف في الأوساط العلمية بـ”الصناديق السوداء”، حيث تنتج الأنظمة نتائج دقيقة دون أن يكون من الممكن تتبع جميع المسارات الحسابية التي تقود إليها.
كما أشار عبادي إلى أن العالم يقترب من مرحلة جديدة مرتبطة بالحوسبة الكمية، وهي تقنية قد تحدث تحولًا كبيرًا في قدرات الحوسبة وسرعة معالجة البيانات، مبرزًا أن بعض التجارب أظهرت قدرة هذه الحواسيب على حل مسائل حسابية معقدة في ثوانٍ قليلة، في حين كانت تتطلب آلاف السنين من الحساب بواسطة الحواسيب التقليدية فائقة القدرة.
وأكد المتحدث ذاته أن هذه التحولات التكنولوجية تفرض على المجتمعات ضرورة تطوير قدراتها المعرفية والعلمية لمواكبة هذا السباق العالمي المتسارع، مشدداً على أن التحدي لم يعد تقنياً فحسب، بل أصبح أيضاً معرفياً وثقافياً.
كما توقف الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء عند التأثير المتزايد لهذه التقنيات في الأجيال الجديدة، ولا سيما الجيل الذي وُلد بعد عام 2010، إذ أصبح الاعتماد على المنصات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية في البحث عن المعلومات واتخاذ القرارات، معتبرا أن منصات الذكاء الاصطناعي تعتمد على جمع كميات ضخمة من البيانات من شبكة الإنترنت بشكل مستمر، عبر خوارزميات متطورة تقوم بتنظيم هذه المعطيات وتحليلها، ما يسمح لها بتطوير قدراتها بشكل متواصل وزيادة دقة الإجابات التي تقدمها للمستخدمين.
ولفت عبادي إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إنتاج نصوص أدبية وعلمية وتحليلات معرفية في وقت وجيز جداً، وهو ما كان يتطلب في السابق سنوات طويلة من البحث والعمل البشري، الأمر الذي يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة المعرفة وإنتاجها في العصر الرقمي، منبهاً إلى التحديات المرتبطة بتطور تقنيات التزييف العميق، التي أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو ومحتويات رقمية يصعب التمييز بينها وبين المواد الحقيقية، ما قد يخلق إشكالات معرفية كبرى تتعلق بالتمييز بين الحقيقة والزيف في الفضاء الرقمي، وأورد أيضا في هذا السياق أن التأثير المتزايد لأنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الأفراد يجعل كثيراً من الناس يلجؤون إليها بوصفها مرجعاً سريعاً للإجابة عن مختلف الأسئلة، وهو ما يمنحها سلطة معرفية واسعة في الحياة اليومية.
كما أكد المسؤول الديني على أن التطور المتسارع في هذا المجال يفرض التفكير بعمق في أبعاده الأخلاقية والثقافية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد والاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذه التحولات قد تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة وبالتكنولوجيا في المستقبل القريب.
المصدر:
هسبريس