في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم أتخيل قط أن المطر يمكن أن يبتلع بيتي بهذه السرعة… كنا نسمع هدير المياه وكأنها تقتلع الحي من جذوره. في لحظة، الماء تجاوز قدمي ثم أصبح فوق الخصر..اضطررنا للخروج في الظلام، نحمل أطفالنا ونركض.
أمينة تتحدث بنبرة ما بين الذهول والصمود، وهي تشير إلى خطوط المياه التي لم تُمحَ بعد عن جدران غرفتها. تقول إن العائلة لم تكن مستعدة لأي إخلاء، وإن خبر الصدمة ظل يرافقها لأيام بعد العاصفة.أجهزة بقيمة آلاف الدراهم غرقت في الطين..أكثر ما يؤلمني أن معظم هذه البضاعة كنت سأبيعها في شهر رمضان.
سليم يقف أمام محله، وقد غيّرت ملامحه الأيام القليلة الماضية. بالنسبة له، الخسارة ليست فقط في البضاعة، بل في فرصة عمل كان يعتمد عليها منذ سنوات.
لم تكن تلك الليلة في القصر الكبير عادية. أمطار غزيرة ومتواصلة حوّلت الأزقة إلى مجارٍ مفتوحة، وأغرقت أحياء بكاملها تحت ضغط سيول لم تعرفها المدينة بهذا الحجم من قبل. خلال ساعات قليلة، بدا المشهد وكأنه اختبار قاسٍ لبنية تحتية لم تصمم لاستيعاب هذا الكم من المياه في زمن وجيز.
أمينة، ربة بيت من حي السي عبد الله، تقول إن المياه “تسللت بسرعة غير متوقعة، وتحولت خلال دقائق إلى سيل جارف”. تشير إلى خطوط الطين التي لا تزال واضحة على الجدران، شاهدة على مستوى بلغ الخصر داخل منزلها.
غير أن الصورة لم تكن مناخية فقط. فخلف تدفق الأمطار، كان لارتفاع منسوب سد وادي المخازن دور حاسم في تعقيد الوضع، بعدما تجاوزت نسبة ملئه قدرته التصميمية، ما استدعى عمليات تفريغ محكومة نحو وادي اللوكوس حفاظًا على سلامة المنشأة.
“ليلة الماء” حين داهمت السيول البيوت..
مع استمرار التساقطات لساعات طويلة، ارتفع منسوب المياه في الأحياء المنخفضة، خاصة السي عبد الله والوهاراني والأزكاكرا. وبحلول الفجر، كانت بعض الشوارع مغمورة بأكثر من مترين من المياه، فيما حاصرت السيول منازل السكان وأجبرتهم على الإخلاء تحت جنح الظلام.
السلطات المحلية أعلنت إجلاء نسبة كبيرة من السكان نحو مناطق أكثر أمانا، فيما فضل آخرون الاحتماء لدى أقاربهم خارج نطاق الخطر. تحركات رافقتها تحذيرات رسمية من احتمال تفاقم الوضع مع استمرار ارتفاع منسوب المجاري والوديان.
وزارة الداخلية أعلنت أن عمليات الإجلاء المتدرج لسكان عدد من الجماعات الترابية المعرضة لمخاطر الفيضانات ما تزال متواصلة، إلى غاية صباح الجمعة 6 فبراير 2026، وذلك في إطار مقاربة استباقية تراعي درجات الخطورة وحجم الأضرار المحتملة، مع تسخير مختلف الوسائل اللوجستيكية لضمان نقل الأشخاص المتضررين في أفضل الظروف
وادي المخازن: المنقذ الذي تحول إلى عامل ضغط
كان لهطول الأمطار المتواصل أثر مباشر في ارتفاع مستوى المياه داخل سد وادي المخازن إلى مستويات قياسية. خلال ذروة التساقطات، وصل مستوى السد إلى أكثر من 156% من سعته التصميمية، ما جعل كميات المياه تتجاوز بكثير قدرته التخزينية، وفق بيانات رسمية.
في ظل هذه الظروف، لجأت السلطات إلى عمليات تفريغ محكومة للمياه من السد، لتخفيف الضغط على المنشأة التقنية وتجنب مخاطر قد تكون كارثية، وهو إجراء تقني بحت يتبعه مشغلو السدود عادة في مثل هذه الحالات. غير أن توقيت وكميات الإصدار كانت عاملا مضافا في تفاقم الفيضانات في مدينة القصر الكبير والمناطق المنخفضة في حوض وادي اللوكوس، ما جعل المدينة في حال طارئة.
خبراء في الموارد المائية يؤكدون أن هذه العمليات كانت مبررة من منظور حماية المنشأة، غير أنها سلّطت الضوء على هشاشة شبكات التصريف داخل المدن المعرضة للفيضانات، وافتقار آليات التخطيط المسبق للتعامل مع حالات مماثلة.
هروب السكان والمنازل المغمورة.. خسائر بالأعداد
مع اشتداد وتيرة المياه، تحوّلت الأحياء المنخفضة إلى مسارات مائية، ما أجبر الكثير من الأسر على مغادرة منازلهم في ساعات الصباح الأولى، أو حتى في قلب الليل تحت التقاطر المائي الشديد. البعض وجد مأوى مؤقتا داخل مدارس أو فضاءات مجتمعية، فيما اختار آخرون البقاء قرب ممتلكاتهم رغم التحذيرات.
في أحياء مثل السي عبد الله، الوهّاراني، والأزّكّاكرا، شهد السكان ارتفاعا في مستوى المياه تجاوز عدة أمتار في بعض النقاط، بحسب شهادات ميدانية، ما عزل المنازل وتسبب في أضرار جسيمة للثروة السكنية والمهنية على حدّ سواء.
التجار وأصحاب المحلات الصغيرة غرقوا في خسائر مادية ضخمة، إذ تضررت البضائع والمعدات، فيما ادعى عدد من السكان أن مياه الطين دخلت المنازل بقوة، مخلفة تلوثًا وبقايا لا تزال تُنظف في الأيام التالية.
الارتفاع القياسي لمنسوب المياه داخل سد وادي المخازن وضع المشغلين أمام خيار تقني صعب: تفريغ تدريجي لتخفيف الضغط وتفادي خطر على البنية الأساسية. خطوة يصفها مختصون بأنها إجراء احترازي معتاد في حالات مماثلة، لكنها ساهمت في زيادة تدفق المياه نحو المناطق المنخفضة في حوض اللوكوس.
إقرأ أيضا: لأول مرة منذ تشييده قبل 47 عاما.. سد وادي المخازن يسجل مستوى تاريخي بـ%140 (فيديو) الدكتور سامي الغزي، أستاذ هندسة المياه، يوضح أن السدود “مصممة للتخزين وتنظيم الجريان، لكن عند تسجيل تساقطات استثنائية خلال فترة قصيرة، تضيق هوامش المناورة” ويضيف أن الإشكال لا يرتبط بالسد وحده، بل بضعف شبكات التصريف الحضري وغياب مساحات امتصاص طبيعية قادرة على احتواء الفيضانات.
خسائر بالأرقام… ووجع يومي
في الأحياء المتضررة، تكشف المشاهد عن حجم الخسائر. محلات تجارية غمرها الطين، تجهيزات كهربائية معطلة، وأثاث منزلي تآكل تحت ضغط المياه. سليم، صاحب محل إلكترونيات، يؤكد أن بضائع بقيمة آلاف الدراهم أتلفت بالكامل، مضيفا أن الضرر لا يتوقف عند الجانب المادي، بل يمتد إلى توقف مصدر رزقه في فترة كان يعوّل عليها تجاريا.
المشهد ذاته تكرر في مناطق أخرى من شمال وغرب البلاد. ففي طنجة سُجلت اختناقات مرورية وتعطل جزئي في بعض المناطق الصناعية، بينما شهدت القنيطرة وسيدي سليمان عمليات إجلاء وإغلاق طرق قروية بشكل مؤقت.
مع انحسار الجزء الأكبر من المياه، انطلقت عمليات تنظيف واسعة بمشاركة الوقاية المدنية والقوات المسلحة، مدعومة بآليات ثقيلة لفتح الطرق وإزالة الأوحال. كما أعلنت الحكومة عن برنامج دعم مالي بقيمة ثلاثة مليارات درهم لإصلاح البنى التحتية، وتعويض الأسر المتضررة، ومواكبة صغار التجار والفلاحين.
إقرأ أيضا: الحكومة تصرف دعم متضرري الفيضانات: 140 ألف درهم لإعادة البناء و6000 درهم لمساعدة الأسر
رئيس لجنة الطوارئ في القصر الكبير أكد أن عمليات الإجلاء تمت بتنسيق محكم، وأن عودة السكان إلى الأحياء غير المهددة جرت بعد التأكد من السلامة الهيكلية للمنازل، مشددا على استمرار الجهود لإعادة تأهيل الشبكات المتضررة.
العودة الآمنة بعد مراة الإجلاء
في سياق إعادة الاستقرار، أعلنت وزارة الداخلية الشروع في تنفيذ تدابير العودة التدريجية للساكنة التي سبق إجلاؤها بعدد من الجماعات الترابية في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وذلك بعد تحسن الأحوال الجوية وتصنيف المناطق منكوبة بقرار لرئيس الحكومة.
وبدأت عمليات إزالة مخلفات الفيضانات منذ 7 فبراير، شملت تنظيف الأزقة والدواوير، وإعادة تزويد المناطق المتضررة بالماء الصالح للشرب والكهرباء وخدمات التطهير السائل والاتصالات، فضلا عن فتح الطرق والمسالك لاستقبال السكان في أفضل الظروف الصحية والبيئية. وتم اعتماد مخطط عمل لكل إقليم لتأمين عودة تدريجية للساكنة، مع جدولة المراحل وإشعارات رسمية لضمان انسيابية العمليات وسلامة المواطنين.
كما دعت الوزارة ساكنة المناطق غير المشمولة حاليا بعدم التوجه إلى المناطق المتضررة إلى حين صدور بلاغ رسمي، مؤكدة استمرار التعبئة الشاملة لتوفير مختلف أشكال الدعم والمواكبة.
بعيدا عن الأرقام، برزت مبادرات شبابية لتنظيف الأحياء، وجمع تبرعات لتوفير الأغطية والمواد الغذائية، إلى جانب دعم نفسي للأطفال. صور التضامن هذه خففت من وطأة الأزمة، لكنها لم تُخفِ الحاجة إلى مراجعة أعمق لسياسات التخطيط العمراني وإدارة المخاطر.
خبراء يعتبرون أن ما حدث يتجاوز كونه حادثا ظرفيا، ويعكس تحولات مناخية تتسم بتساقطات قصيرة وعنيفة تتخللها فترات جفاف طويلة. هذه المفارقة تفرض، وفق مختصين، تحديث نماذج التهيئة الحضرية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وربط تدبير السدود بخطط استباقية تحمي المدن الواقعة في المصبات.
ما بعد الفيضان… درس مفتوح
فيضانات القصر الكبير لم تكن مجرد عاصفة عابرة، بل محطة كشفت هشاشة بعض البنيات أمام ضغط مناخي متصاعد. بين ضرورة حماية المنشآت المائية وضمان سلامة السكان، يبرز تحدي التوفيق بين الأمن المائي والأمن الحضري.
في خضم النقاش المتواصل حول تداعيات الفيضانات التي ضربت حوض اللوكوس، كشف تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) معطيات تفصيلية حول كيفية تدبير الأزمة، معتبرا أن السلطات حققت “نجاحا تكتيكيا” واضحا في حماية الأرواح، مقابل بروز اختلالات بنيوية عميقة في منظومة الوقاية والتعمير والتعويض.
التقرير، المعنون بـ”فيضانات القصر الكبير ومنطقة الغرب: استجابة ناجحة لإنقاذ الأرواح وخارطة طريق لتعزيز حكامة الماء”، سجل أن عملية الإجلاء الاستباقي التي نُفذت بلغت نحو 154,309 أشخاص على مستوى أقاليم العرائش وتطوان وشفشاون ووزان، وذلك عند ذروة الموجة الفيضانية يوم 6 فبراير 2026.
واعتبر المركز أن هذا التحرك حال دون تسجيل خسائر بشرية داخل نطاق التدخل، رغم تسجيل أربع وفيات في حوادث مرتبطة بالسيول بإقليم تطوان خارج محيط الإجلاء.
وصف التقرير هذه المقاربة بعقيدة “الأرواح أولا” معتبرا أنها تعكس نضجا عملياتيا في إدارة الطوارئ، لكنه شدد في المقابل على أن الاعتماد على الإجلاء كآلية أساسية لا يمكن أن يشكل حلا مستداما.
فجوات في الوقاية والتعمير
بحسب الوثيقة، كشفت الأزمة هشاشة شبكات تصريف مياه الأمطار، وعدم قدرة مجاري الأودية على استيعاب التدفقات الاستثنائية، نتيجة اختناقات هندسية وتوسع عمراني غير منضبط. وانتقد التقرير استمرار منح رخص البناء في مناطق مصنفة ضمن المجالات الفيضانية، معتبرا ذلك “استثمارا ممنهجا في كوارث مستقبلية”.
كما أشار إلى أن ضعف إدماج خرائط المخاطر في وثائق التعمير يعمق من هشاشة التجمعات السكنية، ويحول المخاطر الطبيعية إلى أزمات متكررة ذات كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة.
على المستوى التقني، توقف التقرير عند المعطيات المرتبطة بارتفاع منسوب سد وادي المخازن، الذي بلغ 1.08 مليار متر مكعب بين 6 و7 فبراير 2026، ما فرض تنفيذ إطلاقات مائية متحكم فيها للحفاظ على سلامة السد.
غير أن المركز سجل غياب تواصل استباقي مبسط يشرح للرأي العام خلفيات القرار التقني، معتبرا أن الفراغ المعلوماتي ساهم في انتشار الإشاعات وزيادة القلق في صفوف الساكنة، خصوصا بالمناطق المنخفضة على امتداد حوض اللوكوس.
سبل العيش… الحلقة الأضعف
ورغم الإشادة بالتركيز الأمني واللوجستي، نبه التقرير إلى أن حماية “سبل العيش” لم تحظ بالاهتمام نفسه، خاصة في الوسط القروي، حيث تضررت الماشية والمحاصيل والبنيات الفلاحية. كما انتقد بطء تفعيل مساطر التعويض المنصوص عليها في القانون 110.14، وغياب بروتوكولات دعم اقتصادي تلقائية.
ودعا المركز القطاع البنكي وشركات التأمين إلى تقاسم عبء الصدمة عبر تجميد الأقساط، وتوفير قروض ميسرة لإعادة الإعمار، بما يخفف الضغط عن الأسر المتضررة.
إقرأ أيضا: بعد أسابيع من الإجلاء .. القصر الكبير تستقبل أبناءها في أجواء من الامتنان (صور)
التقرير قدم خارطة طريق إصلاحية ترتكز على خمس توصيات أساسية، أبرزها:إحداث “هيئة وطنية للماء والمخاطر” لتوحيد القرار الاستراتيجي. وتفعيل “صندوق وطني للأمن المائي” لتمويل البنية التحتية الوقائية.وفرض إدماج خرائط المخاطر في وثائق التعمير وربط المسؤولية بالمحاسبة.وتطوير منصة وطنية للبيانات المائية المفتوحة لتعزيز الشفافية.ومأسسة التنسيق الميداني عبر تدريبات دورية وسجلات وطنية للمتطوعين.
كما شدد التقرير على ضرورة تثمين نقاط القوة التي أبرزتها الأزمة، خاصة التنسيق بين السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية، والدور المحوري لمديرية الأرصاد الجوية في توفير إنذار مبكر.
ودعا المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية إلى تغيير جذري في العقيدة التدبيرية للمخاطر الطبيعية، عبر الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى مقاربة استباقية مؤسساتية، ترتكز على الوقاية البنيوية، والتخطيط العمراني المسؤول، والشفافية في تدبير الموارد المائية.
وبينما تتواصل عمليات إعادة البناء في المناطق المتضررة، يطرح التقرير سؤالا جوهريا: هل تكون فيضانات اللوكوس نقطة تحول في حكامة الماء بالمغرب، أم محطة أخرى في مسار أزمات تتكرر بوتيرة أشد في ظل مناخ متقلب؟
إقرأ أيضا: الداخلية تعلن السماح بعودة سكان القصر الكبير إلى منازلهم باستثناء 3 مناطق
في الشوارع التي لا تزال آثار الطين تكسو جدرانها، يتشكل وعي جديد بأن إدارة الماء لم تعد شأنا تقنيا فقط، بل قضية تخطيط واستباق وثقافة وقاية. درس ثقيل الكلفة، لكنه يضع أمام المغرب سؤالا ملحا: كيف تُبنى مدن قادرة على الصمود في زمن المناخ المتقلب؟
قد تجف الأرض سريعا، لكن الوعي الجماعي الذي خلفته العاصفة سيبقى طويل الأمد. ففي القصر الكبير، كما في سيدي قاسم والقنيطرة وسيدي سليمان، لم يكن الفيضان مجرد كارثة طبيعية، بل علامة فارقة في زمن مناخي جديد، يفرض استعدادًا مختلفًا، ورؤية تتجاوز رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي.
المصدر:
العمق