استغرب أكاديميون مغاربة متخصصون في تواصل الأزمات وتدبير المخاطر ضعف استجابة هياكل وزارة التجهيز والماء وأجهزة حكومية أخرى، معتبرين أن “الفراغ المعلوماتي الذي انتشر في الأسبوع الماضي بخصوص وضعية سد وادي المخازن سهل انتشار الشائعات وفاقم حالة القلق لدى المواطنين، خصوصا في المناطق التي تشهد تطورات ميدانية متسارعة”.
وشدد الأكاديميون أنفسهم على ضرورة “تفعيل آليات تواصل سريعة ومنسقة في إطار إدارة الأزمة، تعتمد على نشر معلومات دقيقة ومحدثة بشكل دوري عبر قنوات رسمية موحدة، مع توضيح السيناريوهات المحتملة وخطة الاستجابة لكل منها”، مبرزين أن “الشفافية في تقديم المعطيات محينة بشكل دوري تُعدّ خطوة أساسية لتجنب الفرضيات والتأويلات التي قد تُضرّ أكثر مما تفيد”.
مصطفى اللويزي، أستاذ باحث في قضايا الإعلام والتواصل بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، قال إن “تأخر وزارة التجهيز والماء لنحو أسبوع قبل أن تخرج مديرية هندسة المياه بتصريح رسمي فتح الباب أمام انتشار شريان واسع من الأخبار الخاطئة والزائفة والمضللة والخطيرة، التي أفضت إلى إثارة الفزع وسط المواطنين”، منبها إلى “خطورة ضعف العملية التواصلية في سياق أزمات مماثلة”.
وأضاف اللويزي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الدولة المغربية بينت أنها قوية، وتتمتع بقدرة على التعبئة والإنجاز، كما ظهر ذلك في ما وقع بمناطق الحوز وشيشاوة، وكذا في فترة الجائحة، وما يحدث اليوم في الشمال والغرب”، موردا أن “هذا لا يمنع وجود نقص كبير في مواكبة العمل بالتواصل، إذ إن ما يُنجز لا يتم إبلاغه على المستوى العمومي، ما يترك فراغا تتسرب منه الأخبار غير الدقيقة”.
وأشار الأكاديمي والجامعي ذاته إلى أن “هذا الخلل يعود إلى غياب مؤسسة تواصلية قوية داخل الإدارة العمومية أو المرفق العمومي”، مؤكّدا أن “المؤسسات الرسمية تفكر في كل شيء وتؤهل مختلف الكفاءات في قطاعات أخرى، غير أنها تغفل أن المرفق العمومي يحتاج إلى خلية تواصل تلعب دور صلة الوصل بين المرفق والمواطن، لأن المرفق في نهاية المطاف خاضع لخدمة المواطن”.
كما أورد المتحدث أنه “في البلدان التي لا يكون فيها منسوب الحرية عاليا، على غرار المغرب، يخاف المسؤولون من اتخاذ قرار التواصل، لأن أي خطأ في التعبير قد يكلفهم ثمنا باهظا، ما يربط التواصل بالمجال السياسي ويجعلنا نعيش أزمة تواصل بدل أن نمتلك منهجية واضحة لتواصل الأزمة”.
وزاد المصدر ذاته أن “ما يحدث في الشمال يمثل نموذجا لهذا الإشكال، إذ إن التأخر في التواصل يتيح المجال لكل من هب ودب في وسائل التواصل الاجتماعي ليدلي بدلوه بدون تأهيل قانوني أو إعلامي أو رسمي، في حين أن الفاعل الرسمي هو الذي يجب أن يخبر المواطنين؛ لكن المسؤولين اليوم يلتزمون الصمت، ما يترك الباب مفتوحا لنشر الأخبار غير المؤكدة”.
وأوضح اللويزي أن “الحل يكمن في وجود خلية لتصحيح المعلومات، كما فعلت المديرية العامة للأمن الوطني خلال جائحة كورونا، إذ تُنشر المعلومة الخاطئة مع توضيح أنها خاطئة، وبالتالي لا يأخذها الجمهور بعين الاعتبار”، مردفا بأن “هناك أمثلة واقعية على ذلك، مثل ما تناقلته بعض المصادر حول السدود، ما قد يؤدي إلى خلق هلع واسع إذا لم يصدر توضيح رسمي من وزير التجهيز والماء”.
وخلص الجامعي ذاته إلى أن “العمليات التي تقوم بها الدولة في الشمال مهمة وكبيرة، كما أن المجهود الذي بذل في مدينة القصر الكبير وغيرها يدل على قوة الدولة، غير أن التواصل مازال لا يواكب هذه العمليات، لأن الخوف من التواصل أو ارتكاب خطأ يجعل المسؤولين ينتظرون رسالة رسمية أخرى، ما يطيل زمن الاستجابة الإعلامية ويضاعف أزمة الهلع لدى المواطنين”.
مهدي عامري، أستاذ الذكاء الاصطناعي والتواصل بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، قال إن “فهم الفجوة بين الانتشار السريع للشائعات وبطء الخطاب المؤسساتي في المغرب لا يمكن اختزاله في ضعف أدوات التواصل الحديثة، بل يرتبط بمنطق تاريخي وسوسيوسياسي وثقافي متجذّر في طبيعة تشكّل الدولة المغربية وآليات اشتغالها”.
وأضاف عامري، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “التحفظ في التواصل، الذي يُفسَّر غالبا في السياق الرقمي الراهن على أنه تأخر أو خلل، يندرج في الواقع ضمن عقلانية سياسية قائمة على التحكم في الزمن، وترتيب الأولويات، وإعطاء الأسبقية للفعل الميداني على الخطاب”، مبرزا أن “النظام السياسي المغربي يقوم أكثر على التدرج والتحكيم الهادئ وضبط إيقاع القرار، لا على الإعلانات المفاجئة”.
وأشار الباحث في التواصل الرقمي والمؤسساتي إلى أن “الدولة المغربية، خاصة في أوقات الأزمات، تعتمد في تدخلها على شبكات محلية من النخب والوسطاء الترابيين قبل الانتقال إلى التواصل المركزي، وهو ما يفسر لجوءها إلى تدخلات صامتة وميدانية تهدف أولا إلى تدبير الاستعجالات الإنسانية والمادية، قبل صياغة رواية رسمية موحدة”.
وأضاف المتحدث ذاته أن “البنية الاجتماعية والترابية للمغرب، كما أبرزتها دراسات سوسيولوجية حول العالم القروي، تُظهر مجتمعا متنوعا ومجزأً، ما يجعل التدبير العملي والمرن للأزمات أكثر نجاعة من التواصل الموحد”، مشدداً على أن “الكلمة الرسمية في الثقافة السياسية المغربية تحمل حمولة رمزية وأخلاقية عالية، وتُعد فعلا مؤسسا لا يُقدم عليه إلا بعد التثبت وتحمل المسؤولية”.
وتابع عامري بأن “هذا المنطق التاريخي بات اليوم في مواجهة بيئة معلوماتية متحوّلة، بفعل هيمنة شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تسرّع إنتاج السرديات المتنافسة وتحوّل الصمت المؤسساتي إلى مجال خصب للإشاعة والخوف والتضليل، خاصة في سياق الأزمات الأخيرة مثل الجائحة، وزلزال الحوز، والفيضانات”.
واعتبر أستاذ التواصل الرقمي أن “التحدي الحقيقي لا يكمن في متانة الدولة المغربية، بل في قدرتها على التوفيق بين هذه العقلانية التاريخية ومتطلبات التواصل الرقمي الحديث، من خلال ابتكار صيغ تواصل هجينة تحافظ على رمزية الكلمة الرسمية، وتستجيب في الوقت نفسه لمطالب الشفافية والسرعة والوضوح التي يفرضها الفضاء العمومي الجديد”.
المصدر:
هسبريس