خلّف ما كتبه الباحث أحمد عصيد حول “ارتباط صلاة الفجر بحياة البادية التي يخلد فيها الناس إلى النوم بعد غروب الشمس بوقت قليل” ردود فعل قوية، اعتبرت أن “نمط حياة المدينة لم يغير من هذه الفريضة”، محذّرة من “قراءات إسقاطية تخلّ بطبيعة الشعائر الدينية في الإسلام، التي تقوم على نصوص تعبدية ثابتة لا تتغير بالضرورة بتغير أنماط عيش المسلمين أو التحولات العمرانية المحيطة بهم”.
من جانب آخر، كتب أحمد عصيد أن الدعوة إلى صلاة الفجر “من مظاهر شقاء الوعي الإسلامي المعاصر، الذي لا يفهم أن للنصوص الدينية سياقات لا تنفصل عنها، وأن تغير الزمان والمكان ونمط الحياة يؤدي حتما إلى تغير السلوك الديني للمؤمنين”، مبرزا أنه “بعد انقلاب نمط الحياة البشرية بوجود الكهرباء والتلفزة والأنشطة الليلية بمختلف أنواعها، ونظام الوظيفة العمومية في الدولة الحديثة، ثم ظهور الهاتف المحمول، صار النوم يأتي، في المتوسط، بعد منتصف الليل لدى الأغلبية الساحقة”.
وقال عصيد إنه “من المضحك” أن الذين يبعثون بالدعاية لصلاة الفجر “تجدهم ما زالوا أمام شاشات هواتفهم في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ما يعني أنهم يقومون بالدعاية لأمر لن يستطيعوا القيام به هم أنفسهم”. كما أورد أن “دعوة الناس إلى القيام بأمر شخصي مثل الصلاة هي ضرب من الوصاية على حياة الغير، ذلك أن الصلاة اختيار فردي شخصي، يخص العلاقة العمودية بين الفرد وربه، ولا يخص الفرد في علاقته بغيره”.
ومن ضمن الردود التي توصلت بها جريدة هسبريس تلك القائلة إن “المدينة، رغم ما عرفته من إيقاع سريع، وإنارة ليلية، وتغير في ساعات العمل والنوم، لم تُلغِ مركزية الفجر في حياة المسلمين، بل إن كثيرين ما زالوا يحرصون على أدائه في وقته، باعتباره ممارسة روحية تتجاوز منطق ‘الملاءمة الزمنية’ أو ‘الراحة الجسدية'”، معتبرة أن “الدين نسق ثابت متعالٍ عن التاريخ”.
إدريس الكنبوري، باحث في التاريخ والفكر الإسلامي، قال إن “محاولة عزل صلاة الفجر عن السياق الاجتماعي الراهن تعكس خللا واضحا في فهم بنية المجتمع المغربي وتحولاته”، مضيفا أن “هذه البنية تكشف أن محاولات الهجوم على الإسلام ونمط تدين المسلمين تصطدم ببيانات موضوعية تكشف استمرار الحضور الديني في صور متعددة، من بينها الإقبال المتزايد على صلاة الفجر، خاصة في المدن الكبرى”.
وأوضح الكنبوري، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “من يتأمل الواقع الميداني، من خلال جولة بسيطة في مساجد مدن مثل الرباط أو سلا وقت الفجر، سيلاحظ أن الصفوف الأمامية تضم أعدادا كبيرة من الشباب، وهو ما يدل على أن صلاة الفجر تحافظ على مكانتها الرمزية والروحية”، مبرزا أن “الأمر يختلف عن سنوات الثمانينيات، حيث كان كبار السن يقبلون بكثرة على صلاة الصبح”.
واعتبر الباحث ذاته أن “بعض الخطابات التي تصوّر التدين وكأنه ظاهرة من الماضي، أو تحاول فصله عن المجتمع المعاصر، اتضحت مرارا الأجندة التي تخدمها”، موردا أنها “تعبر عن تصورات فكرية معزولة عن الواقع الاجتماعي، وتسير عكس المعطيات الميدانية”. وتابع بأن “الإصرار على تبني هذه القراءات لا يخدم الفهم الموضوعي للتحولات المجتمعية، بل يعكس رغبة في مخالفة التيار السائد دون سند معرفي متين”.
وشدد الكنبوري على أن “الأصوات النشاز التي تطعن في صلاة الفجر يمكنها العودة حتى إلى البادية نفسها، وسيتضح أن الساكنة ما زالت تحافظ على صلواتها بانتظام، وهو الأمر نفسه في المدينة”، مضيفا أن “الشروط المعاصرة لم تغير أي شيء بشأن أي من الصلوات أو الفرائض الأخرى، فالمغاربة، مثل غيرهم، يحافظون على نمط عيشهم المستمر جيلا بعد جيل، وهذا ما تكشفه الأسس التاريخية والسوسيولوجية التي تفرغ كل آراء انطباعية من محتواها”.
من جانبه، دافع أحمد عصيد، الباحث في الفكر والفلسفة، عن تصوره الذي يربط صلاة الفجر بنمط الحياة في البادية، قائلا إن “هذا النقاش يجب أن يؤطَّر في سياقه الاجتماعي والزمني”، مضيفا أن “أنماط العيش التقليدية، ومنها النوم المبكر المرتبط بالإيقاع الطبيعي للعمل اليومي، كانت تجعل الاستيقاظ فجرا أمرا منسجما مع الواقع المعيشي آنذاك، وإسقاط هذا النموذج على الحاضر دون مراعاة التحولات العميقة في أساليب العيش والعمل يعد تبسيطا لا يخدم الفهم الرصين للموضوع”.
وأردف عصيد، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “أنماط الحياة المعاصرة، سواء في المدن أو حتى في كثير من المجالات القروية، لم تعد تحتمل هذا النوع من الخطاب التبسيطي؛ إذ تغيرت شروط العمل، وتبدلت ساعات النوم، وتعددت الالتزامات الوظيفية والأسرية”، مبرزا أن “الدعوات التي تطالب الناس بالاستيقاظ لصلاة الفجر بمنطق الوعظ العاطفي فقط، دون قراءة واقعية لهذه الشروط، تظل دعوات فارغة لكونها غير قابلة للتحقق على أرض الواقع”.
وثمّن الباحث عينه ضرورة التمييز بين الخطاب الديني الذي يقدم مضمونا معرفيا وتحليليا، وبين خطاب دعائي يكتفي بالشعارات العامة، موضحا أن الواقع الميداني يظهر أحيانا مفارقة لافتة، حيث يكون الإمام حاضرا في صلاة الفجر، بينما تغيب الغالبية الساحقة من الناس، وقد يؤدي الصلاة وحيدا أو مع عدد محدود جدا من المصلين، مسجلا أن “هذا الواقع يكشف الفجوة بين الخطاب الذي يطالب الناس بالنهوض، وبين الشروط الفعلية التي تجعل الاستجابة ضعيفة، ما يستدعي قراءة اجتماعية عقلانية بدل الاكتفاء بالتوجيه الوعظي”.
وأشار عصيد إلى أن “فئات مثل المتقاعدين أو المسنين تختلف ظروفها جذريا عن أوضاع من لديهم برامج عمل يومية والتزامات مهنية صارمة”، داعيا إلى “التعامل مع هذه القضايا بعقلانية وبعيدا عن منطق الإدانة أو الطعن”، خالصا إلى أن “من المفيد انتظار وتقديم إفادات علمية واجتماعية إضافية حول الموضوع، حتى يتمكن النقاش العمومي من الاستفادة منها وبناء مواقف أكثر توازنا وعمقا”.
المصدر:
هسبريس