منذ فجر الاستقلال وتحديدا في عام 1959، لم يكن تأسيس صندوق الإيداع والتدبير (CDG) مجرد قرار إداري لملء فراغ مؤسساتي، بل كان بمثابة إعلان سيادة مالية ورغبة ملكية في بناء خزنة استراتيجية تحفظ ادخار المغاربة وتحوله إلى وقود لمحركات التنمية، فالمؤسسة التي ولدت من رحم طموحات المغرب الحديث، لم تكتف بدور “حارس الأمانة” لأموال التقاعد وصندوق التوفير الوطني، بل تحولت عبر العقود إلى مهندس مالي عابر للقطاعات.
يضع صندوق الإيداع والتدبي بصمته في كل لبنة اقتصادية، من المنتجعات السياحية الكبرى إلى المناطق الصناعية الذكية، ومن تمويل المشاريع المهيكلة إلى هندسة المدن المستدامة، مما جعلها الذراع المالية الأكثر صرامة وتأثيراً في يد الدولة لرسم ملامح مغرب الغد، كما يعتبر من أبرز المؤسسات المالية العامة في المملكة، حيث يعد أداة أساسية في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من خلال إدارة وتوجيه الأموال في مشاريع تنموية كبيرة.
لا يقتصر دور الصندوق على مجرد إدارة الأموال المودعة من قبل الأفراد أو المؤسسات، بل يمتد ليشمل تنفيذ مشروعات ضخمة تهدف إلى تحسين جودة الحياة للمواطنين، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، إذ تأسس الصندوق في وقت كان فيه المغرب بحاجة إلى منصة مالية متكاملة لضمان استثمار آمن وفعال للأموال العامة والخاصة، وقد أظهر نجاحًا في تلبية هذه الحاجة.
من خلال إدارته للأموال العامة والخاصة، استطاع الصندوق أن يكون محركًا أساسيًا في تنفيذ المشاريع الكبرى على مستوى المملكة. تشمل هذه المشاريع تطوير بنية تحتية متكاملة في العديد من القطاعات الحيوية مثل الإسكان، والتعليم، والصحة، والنقل، كما أن الصندوق يسهم بشكل كبير في تحسين الوضع المالي للمؤسسات العامة، ويساعد في تنفيذ السياسات الوطنية التي تهدف إلى تحقيق الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية. ومن خلال هذه الأدوار، أصبح صندوق الإيداع والتدبير جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الوطنية للتنمية.
يتميز صندوق الإيداع والتدبير بمسؤولياته المتعددة والمعقدة في مجال الاستثمار وتمويل المشاريع الاجتماعية والاقتصادية، كما يتمتع بقدرة كبيرة على التأثير في مختلف المجالات بفضل تنوع استثماراته وانتشاره الجغرافي. علاوة على ذلك، يساهم الصندوق في تطوير المؤسسات المالية بالمملكة ويعمل على ضمان استدامة المال العام، مما يعزز من استقرار الاقتصاد الوطني ويعطي إشارات إيجابية للمستثمرين المحليين والدوليين.
وتتنوع أدوار “CDG” لتشمل مجالات قد تبدو متباعدة لكنها تتكامل في خدمة الاقتصاد الوطني. الدور الأول هو التدبير المؤسساتي، حيث يدير الصندوق احتياطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، مما يجعله المستثمر الأول في سوق سندات الخزينة بالمغرب.
أما الدور الثاني فهو الذراع الاستثماري والعقاري، إذ يعد الصندوق الفاعل الرئيسي في التهيئة الترابية عبر أذرعه مثل “شركة التهيئة زناتة” و”ميدزيد”، كما يمتلك الصندوق بصمة واضحة في القطاع السياحي من خلال تطوير محطات سياحية كبرى، وفي قطاع التعليم عبر “الجامعة الأورومتوسطية بفاس”، مما يجعله مؤسسة “متعددة المهن” بامتياز.
دواعي تأسيس الصندوق
منذ تأسيسه سنة 1959 غداة الاستقلال، شكل صندوق الإيداع والتدبير بالنسبة للسلطات العمومية جهازا لتأمين الإدخار الوطني من خلال إدارة صارمة للودائع، كما رافق تنمية موارد صندوق الإيداع والتدبير منذ نشأته اتساع مهامه، فضلا عن التحديث المستمر لأساليب عمله وتنظيمه.
ومع مرور السنوات، برز صندوق الإيداع والتدبير كمحفز حقيقي للاستثمارات طويلة المدى، حيث طور مهارة متفردة في مجال تنفيذ مشاريع التنمية المهيكلة. إن طبيعته العمومية من جهة والطبيعة الخاصة للأموال المودعة لديه جعلته مطالبا بنهج الصرامة في قواعد تدبير واختيار الاستثمارات، كما عرفت المؤسسة كيف تجمع بين طرفي هذه المهمة المزدوجة من خلال تأمين المدخرات التي جمعها والمساهمة في نفس الوقت في التنمية الاقتصادية للمملكة، وشكلت هذه المهمة المزدوجة المكون الجوهري لهوية صندوق الإيداع والتدبير.
وتتلخص مهمة صندوق الإيداع والتدبير في شعاره “لنعمل معا من أجل مغرب المستقبل” وهو يعكس التزام المجموعة بالانخراط في دينامية تقدم البلاد، من خلال تعبئة جميع الرافعات في مجال جمع وحماية الإدخار وتوسيع رقعة الاحتياط وتمويل الاقتصاد وقيادة مشاريع البنية التحتية الكبرى ودعم السياسات القطاعية.
جاء تأسيس صندوق الإيداع والتدبير في وقت كان فيه المغرب بحاجة إلى مؤسسة مالية مستقلة تدير الأموال المودعة لديها من قبل الأفراد والمؤسسات، خاصةً تلك الأموال الخاصة بالتأمينات الاجتماعية والمعاشات، حيث كان الهدف الأساسي من تأسيس الصندوق هو ضمان استثمار الأموال بطريقة آمنة، وتوجيهها نحو المشاريع التنموية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة في المغرب.
رغم أن الصندوق في بدايته كان يقتصر على إدارة الأموال المودعة من قبل الأفراد والمؤسسات، إلا أن تطور مهامه عبر السنين جعله يتوسع في نطاق عمله ليشمل الاستثمار في مشاريع كبرى ذات عوائد اقتصادية على المدى الطويل.
تأسيس الصندوق جاء أيضًا في إطار جهود الحكومة المغربية لتوسيع دائرة الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل الإسكان، والبنية التحتية، والطاقة، والصحة، مما يعكس مدى أهمية هذه المؤسسة في استراتيجية التنمية الوطنية، ومع مرور السنوات، أصبح صندوق الإيداع والتدبير جزءًا من البنية التحتية المالية الأساسية في المغرب، فقد ساهم الصندوق بشكل كبير في تحقيق العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية من خلال إدارته للأموال المودعة في مختلف المشاريع.
كما أصبح شريكًا رئيسيًا للحكومة المغربية في تنفيذ المشاريع الكبرى التي تساهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين، إذ يعتبر اليوم الصندوق أحد أكبر المستثمرين في المشاريع العقارية، والطاقة المتجددة والتعليم وهو محرك رئيسي في نمو الاقتصاد الوطني.
قام الصندوق أيضًا بدعم مشاريع تعليمية وصحية كبرى، من خلال تمويل إنشاء مدارس جديدة، وتوسيع المستشفيات الجامعية، وإنشاء مرافق تعليمية وصحية متطورة في مختلف أنحاء المغرب. ساهم هذا التمويل في رفع جودة التعليم والرعاية الصحية في البلاد، مما ساعد في تحسين مستويات المعيشة للمواطنين.
أهداف وصلاحيات صندوق الإيداع والتدبير
صندوق الإيداع والتدبير يملك مجموعة واسعة من الأهداف التي تهدف إلى ضمان استقرار الاقتصاد الوطني، وتشجيع التنمية المستدامة، وتوفير الأمن المالي للمواطنين والمستثمرين على حد سواء. الهدف الأول والأهم هو حماية الأموال المودعة لديه، سواء كانت من قبل الأفراد أو المؤسسات. الصندوق يسعى دائمًا إلى توظيف هذه الأموال في مشاريع تساهم في تحسين حياة المواطنين من خلال الاستثمارات المدروسة بعناية.
من بين الأهداف الأساسية أيضًا، يسعى الصندوق إلى تحقيق التكامل بين القطاعين العام والخاص في تمويل المشاريع التنموية، من خلال دوره كمستثمر رئيسي في مشاريع البنية التحتية، يوفر الصندوق التمويل طويل الأجل الذي يمكن أن يشمل مجالات الإسكان الاجتماعي، والمشروعات الصحية والتعليمية، هذا الدور يمكّن الحكومة من تنفيذ العديد من المبادرات التي تساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بينما يضمن الصندوق أيضًا الربحية المستدامة لأموال المودعين.
أما من ناحية الصلاحيات، فإن صندوق الإيداع والتدبير يمتلك صلاحية إدارة الأموال العامة والخاصة بشكل مستقل، ويُشرف على مجموعة من الاستثمارات في قطاعات متعددة مثل الإسكان، الطاقة المتجددة، النقل، والصناعة، وبفضل هذه الصلاحيات، يمكن للصندوق اتخاذ قرارات استراتيجية تضمن تعظيم العوائد المالية على المدى الطويل مع الحفاظ على الأمان المالي للأموال المدارة. كما أنه قادر على لعب دور محوري في تطبيق السياسات المالية التي تدعم النمو الاقتصادي المستدام.
استثمارات وأرباح صافية بملايير الدراهم
يعد صندوق الإيداع والتدبير أحد أبرز اللاعبين في مجال الاستثمار بالمغرب، حيث يضخ مبالغ ضخمة في مختلف القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، بهدف تحقيق التنمية المستدامة ودعم المشاريع الوطنية الكبرى. يمتلك الصندوق محفظة متنوعة من الاستثمارات التي تشمل العديد من المجالات الحيوية مثل العقارات، السياحة، النقل، الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، وهو ما يعكس التزامه القوي بدفع عجلة الاقتصاد الوطني نحو آفاق جديدة.
على مدار سنوات طويلة، قام صندوق الإيداع والتدبير بالاستثمار في مشاريع ضخمة أسهمت بشكل مباشر في تنمية بنية الاقتصاد المغربي، ففي قطاع العقارات، قام الصندوق بإنشاء شركات عقارية ضخمة، مما ساهم في توفير آلاف الوحدات السكنية والمرافق العامة، بالإضافة إلى تمويل مشاريع بنية تحتية متطورة، في مجال النقل، كانت الاستثمارات في قطاع النقل العمومي، مثل الخطوط الوطنية والبحرية طنجة-مالاقا، علامة فارقة في تحسين البنية التحتية للنقل والمساهمة في ازدهار السياحة الداخلية والخارجية.
وفي السنة الماضية، أعلن صندوق الإيداع والتدبير عن تعبئة استثمارات تناهز 16 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2028، في إطار التزامه المتواصل بدعم الأوراش الوطنية الكبرى وتعزيز دينامية الاقتصاد المغربي، ويأتي هذا البرنامج الطموح عقب تسجيل الصندوق حجم استثمارات بلغ 6,46 مليار درهم خلال سنة 2025، مما يؤكد مكانته المحورية في تمويل المشاريع الحيوية والمساهمة في التنمية المستدامة.
كما يواصل الصندوق تنفيذ خطته الاستراتيجية “آفاق 2030” بوتيرة متقدمة، بعد أن أعاد هيكلة بنيته التنظيمية سنة 2024، مُترجماً رؤيته إلى مشاريع ملموسة ساهمت في ترسيخ دوره كفاعل مالي وطني رئيسي يقود التحول الاقتصادي بالمملكة.
وفي هذا الإطار، يستثمر الصندوق ما يفوق 20 مليار درهم في مشاريع البنية التحتية والتنقل، استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب إطلاق مبادرات كبرى في مجالات التحول الطاقي وتقليص البصمة الكربونية، من خلال تطوير أصول مستدامة تشمل مصانع البطاريات والمدن الذكية والإيكولوجية.
على المستوى المالي، حقق الصندوق أداءً متميزاً خلال سنة 2024، إذ بلغ صافي الأرباح الاجتماعية 1,46 مليار درهم، وارتفع الناتج البنكي الصافي لمجموع شركاته إلى 13,5 مليار درهم بزيادة 33%، فيما قفزت الأرباح الموحدة إلى 3,46 مليار درهم مقابل 1,39 مليار درهم سنة 2023.
كما يواصل الصندوق تعزيز التحول الرقمي عبر دعم رقمنة الخدمات العمومية وترسيخ السيادة الرقمية، خصوصاً في مجالي العدالة والصحة. وتعمل شركاته التابعة، من بينها القرض العقاري والسياحي، فينيا، سي دي جي كابيتال، أتلانتيك ري، وجايدا، على توجيه استراتيجياتها نحو الشمول المالي والرقمنة انسجاماً مع أهداف خطة “آفاق 2030”.
ويؤكد صندوق الإيداع والتدبير مكانته كأحد أهم الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين، إذ بلغت ميزانيته 381,7 مليار درهم، أي ما يعادل 23% من الناتج الداخلي الخام، مما يجعله ركيزة أساسية في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
قيادات ساهمت في تطوير المؤسسة وتعزيز دورها الاقتصادي
تناوب على ترؤس صندوق الإيداع والتدبير عدد من الشخصيات البارزة التي ساهمت في تعزيز مكانة المؤسسة وتوجيهها نحو تحقيق أهدافها الاقتصادية والتنموية. بدأت مسيرة رئاسة الصندوق مع مامون الطاهري الذي تولى المنصب من 1959 إلى 1965، ليليه أحمد بناني الذي ترأسه بين 1965 و1966. ثم جاء أحمد بنكيران ليتولى القيادة من 1966 حتى 1968، ليحل مكانه حسن عبابو الذي قاد الصندوق حتى 1970.
في الفترة من 1970 إلى 1974، ترأس عبد الكامل الرغاي الصندوق، ليخلفه مفضل لحلو الذي شغل المنصب لفترة طويلة امتدت من 1974 إلى 1995. ثم جاء خالد القادري الذي تولى رئاسة الصندوق بين 1995 و2001، بعد ذلك، تولى مصطفى باكوري قيادة الصندوق من 2001 إلى 2009، ليأتي بعده أنس هوير العلمي الذي ترأس الصندوق بين 2009 و2015، في الفترة من 2015 إلى 2022، كان عبد اللطيف زغنون في قيادة الصندوق، ليحل محله خالد سفير في 2022، والذي لا يزال يشغل هذا المنصب حتى اليوم.
وولد خاليد سفير، الذي عينه الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 13 يوليوز 2022، في اجتماع للمجلس الوزاري بالقصر الملكي بالرباط، مديرا عاما لصندوق الإيداع والتدبير، في 13 دجنبر من سنة 1967 بسطات، حاصل على دبلوم مهندس بمدرسة البوليتكنيك (1991 )، وعلى دبلوم للإحصاء والاقتصاد من المدرسة الوطنية للإحصاء والإدارة الاقتصادية بباريس (1993).
وتدرج الوالي سفير في عدة مناصب، إذ سبق له أن تولى ما بين 1993 و1995 منصب رئيس قسم التدبير المالي بميناء الدار البيضاء، قبل التحاقه بوزارة المالية والخوصصة، حيث كلف بالدراسات ما بين سنة 1995 و1998.
كما تولى خالد سفير منذ 2 يناير 2004، منصب مدير التحديث والموارد البشرية ونظام المعلومات بالخزينة العامة للمملكة، قبل أن يتم تعيينه بداية أكتوبر 2006، عاملا على عمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان، ثم عاملا على عمالة مقاطعات الدار البيضاء- أنفا.
ومن سنة 2011 إلى 2013، شغل خاليد سفير منصب الكاتب العام لوزارة الاقتصاد والمالية، ثم عين واليا لجهة الدار البيضاء- سطات من 2013 إلى 2017، قبل أن يتم تعيينه سنة 2017 واليا، مديرا عاما للجماعات الترابية بوزارة الداخلية.
خالد سفير.. رهان على الشفافية والحكامة
“يراهن صندوق الإيداع والتدبير على سياسة الشفافية والمصداقية في جميع معاملاته واستثماراته”، هذا ما أكده خالد سفير، المدير العام للصندوق، مشددًا على أن الصندوق لا يتعامل مع انتقادات وصفه بـ”صندوق أسود” بشكل عادل، ورفض بشكل قاطع هذه الاتهامات، مؤكدًا أن المؤسسة المالية الاستراتيجية تخضع لآليات رقابة صارمة ومتعددة المستويات.
يعتبر سفير أن الصندوق يولي أهمية كبيرة للممارسات الجيدة في التدبير، ويعتمد على نموذج حكامة يضمن الشفافية والفعالية في جميع مراحل اتخاذ القرارات، مشيرا إلى وجود “طوق رقابي” متكامل، يتضمن رقابة خارجية مشددة من طرف بنك المغرب والقابض العام للمملكة، إلى جانب الآليات الداخلية المتمثلة في “اللجنة التنفيذية للمجموعة”، التي تضم لجنتين متخصصتين، هما لجنة الاستثمار ولجنة التدقيق والمخاطر، لضمان سلامة الخيارات المالية والمشاريع الاستثمارية.
وفيما يتعلق بالهيئات التشغيلية، أضاف سفير أن هناك لجانًا متخصصة مثل “لجنة القروض” و”لجنة إدارة الأصول والخصوم” التي تضمن استمرارية التوازن المالي للمؤسسة على المدى الطويل، في حين تراقب “لجنة المراقبة الداخلية” مدى احترام المساطر في جميع فروع الصندوق.
كما يشدد المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير على أن هذه الأخيرة ليس مجرد مؤسسة مالية بل شريك استراتيجي في التنمية المستدامة للمغرب، مع التزامه بالعمل على تحقيق منفعة وطنية عامة من خلال استثماراته التي تجمع بين الربحية والمنفعة الاجتماعية.
إنجازات “CDG”
تمكنت مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير من تحقيق العديد من الإنجازات البارزة التي ساهمت في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة. في سنة 1960، أُنشئت الشركة العامة العقارية التي ساهمت في تعزيز القطاع العقاري، ثم تلتها خطوة تأسيس شركة المغرب للتجهيز، وهي شركة دراسات وتنمية تم إنشاؤها بالشراكة بين البنك الوطني للتنمية الاقتصادية ومكتب الدراسات الفرنسي “الشركة المركزية للتجهيز الترابي”، الذي يُعتبر فرعًا لصندوق الإيداع والاستيداع الفرنسي، وكانت هذه الشركة مكرسة لإعادة بناء مدينة أكادير بعد الزلزال المدمر الذي ضربها.
واستمرارًا في هذا النهج، شارك صندوق الإيداع والتدبير في تأسيس شركة “ماروك توريست” بالشراكة مع مكتب السياحة المغربي، كما قامت المؤسسة بتقديم رؤوس أموال خاصة ساهمت في تحصين الأغلبية في شركة النقل العمومي “الخطوط الوطنية”.
من بين المشاريع البارزة الأخرى، كان إنشاء الخط البحري طنجة-مالاقا الذي تديره باخرة “ابن بطوطة”، وكان ذلك بالشراكة مع البنك الوطني للتنمية الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم صندوق الإيداع والتدبير في محاصة في الشركة الأفريقية للنقل بهدف دعم السياحة في المملكة.
كما استثمرت المؤسسة في رأسمال البنك المركزي الشعبي والصندوق المغربي للصفقات، وكذلك في شركة المياه الحرارية مولاي يعقوب “كوثيرمي”، بالإضافة إلى المساهمة في شركة تمويل الشراء بالقروض “صوفاك”، في خطوات تهدف إلى دعم وتعزيز الاقتصاد الوطني وتنمية مختلف القطاعات الحيوية في المملكة.
التمويل العقاري والسكن الاجتماعي
يُعد تمويل السكن الاجتماعي من أبرز الأدوار التي يقوم بها صندوق الإيداع والتدبير، حيث يساهم بشكل كبير في تنفيذ مشاريع الإسكان التي تستهدف فئات الدخل المحدود في المجتمع المغربي، كما عمل الصندوق على توفير أكثر من مليون وحدة سكنية في مختلف المناطق، مما ساهم بشكل كبير في الحد من أزمة السكن في البلاد، وفتح المجال لملايين المواطنين للحصول على سكن لائق بأسعار مناسبة. من خلال هذا الدور، يُعتبر الصندوق ركيزة أساسية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتوفير بيئة سكنية صحية وآمنة للمواطنين.
كما يولي الصندوق اهتمامًا خاصًا بمشاريع الإسكان التي تُنفذ في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، ما يعكس التزامه بتوزيع التنمية بشكل عادل في جميع أنحاء المملكة، وتشمل هذه المشاريع بناء مدن سكنية جديدة، تطوير الأحياء القديمة، إضافة إلى مشاريع الإسكان الميسر التي تتماشى مع احتياجات الشرائح الاجتماعية المختلفة، كما يُسهم الصندوق في تعزيز قدرة المواطنين على التملك من خلال تمويل مشروعات تتيح للأسر ذات الدخل المحدود الحصول على مساكن بأسعار معقولة.
دعم مشاريع البنية التحتية الوطنية
أحد الأدوار الرئيسية الأخرى التي يؤديها صندوق الإيداع والتدبير هو دعم مشاريع البنية التحتية الوطنية، إذ يعتبر هذا الدور حيويًا جدًا في تعزيز قدرة الاقتصاد المغربي على النمو والتوسع. من خلال تمويل المشاريع الضخمة في مجالات الطرق، والموانئ، والمطارات، يساهم الصندوق بشكل مباشر في تسهيل حركة التجارة والنقل، ما يساهم بدوره في جذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الأنشطة الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، ساهم الصندوق في تمويل وتطوير مشاريع الطرق السريعة التي تربط بين مختلف مدن المملكة، مما أدى إلى تعزيز الترابط بين المناطق وزيادة الحركة التجارية.
كما يسهم الصندوق في تمويل المشاريع ذات البُعد الاستراتيجي، مثل بناء محطات للطاقة المتجددة، والمستشفيات الجامعية، ومرافق التعليم، ما يساهم في رفع مستوى الحياة الاجتماعية والمهنية للمواطنين، ومن خلال هذا الدور، أصبح صندوق الإيداع والتدبير أحد المحركات الأساسية للنمو المستدام في المغرب، ويعكس التزامه بالاستثمار في مشاريع تخدم الأجيال القادمة.
الاستثمار في الطاقة المتجددة
من القرارات الهامة التي اتخذها صندوق الإيداع والتدبير كان استثماره الكبير في مجال الطاقة المتجددة. فمن خلال تبني سياسة بيئية مستدامة، أصبح الصندوق من أبرز الداعمين لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح في المغرب، وسعت هذه المشاريع إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحقيق الأهداف الوطنية في مجال الطاقة المتجددة.
استثمارات الصندوق في هذا القطاع ساعدت في تنفيذ مشاريع ضخمة مثل محطة نور للطاقة الشمسية في ورزازات، التي تعد واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، وتعتبر هذه القرارات جزءًا من رؤية المغرب الطموحة لتقليل انبعاثات الكربون وتعزيز الاستدامة البيئية، ومع النمو المستمر في الطلب على الطاقة، تسهم مشاريع الطاقة المتجددة التي يمولها الصندوق في توفير طاقة نظيفة ومستدامة، مما يقلل من الاعتماد على الطاقة التقليدية ويخلق فرصًا اقتصادية جديدة.
مؤسسة الرعاية.. بعد اجتماعي لصندوق الإيداع والتدبير
تأسست مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير في سنة 2004، بمبادرة من صندوق الإيداع والتدبير، وهي جمعية غير ربحية تخضع لمقتضيات ظهير 1958. وقد تم الاعتراف بها بصفة المنفعة العامة بموجب المرسوم رقم 2.07.893 بتاريخ 29 ماي 2007. تهدف المؤسسة إلى إطلاق ودعم مبادرات التضامن والتنمية الاجتماعية المستدامة، من خلال تعزيز الأثر الاجتماعي في صميم تدخلاتها.
تعمل المؤسسة على تعزيز رسالتها الاجتماعية، عبر ترسيخ غاية الأثر الاجتماعي في جميع مشاريعها، والقيام بدور محرك للابتكار الاجتماعي، كما تسعى إلى تحفيز تكامل قوى القطاع الثالث، حيث تساهم في تعبئة المعارف والموارد لتحقيق تحولات اجتماعية مستدامة. وتواكب مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير النسيج الجمعوي الوطني وتعمل على تقوية قدرات الفاعلين في القطاع الثالث، من خلال شراكات دعم الجمعيات وتوفير المواكبة التقنية اللازمة لتعزيز أثر هذه الجمعيات الاجتماعي.
يتوزع عمل المؤسسة على مجموعة من المشاريع المهيكلة التي تتناغم ضمن سلسلة قيمة متكاملة، تهدف إلى تعزيز دور الجمعيات في التنمية الاجتماعية. بدايةً، تركز المؤسسة على الإنتاج من خلال تشجيع المبادرات التشاركية التي تهدف إلى إنتاج المعارف والمنهجيات والأدوات المبتكرة. هذه المبادرات تساهم في توليد خبرات قابلة للتعميم على نطاق واسع، ما يسهم في نشر المعرفة وتوسيع قاعدة الفاعلين في المجال الاجتماعي.
أما في مجال التجهيز بالأدوات، فتسعى المؤسسة إلى تحويل المعارف والمفاهيم إلى موارد عملية قابلة للاستخدام، مثل النماذج والأدوات التقنية، الأدلة المنهجية، والأطر المرجعية التي تلهم الابتكار الاجتماعي المحلي، هذا التحويل يهدف إلى جعل هذه المعارف أكثر قربًا من الواقع المحلي، وبالتالي تسهيل تطبيقها من قبل الجمعيات والمبادرات الاجتماعية.
تقدم مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير أيضًا المواكبة من خلال دعم الجمعيات تقنيًا وعملياتيًا وماليًا. هذه المواكبة تتضمن تيسير الوصول إلى خدمات مشتركة وتحفيز الابتكار الاجتماعي والترابي المحلي القابل للتكرار والتوسع. وذلك بهدف تعزيز المشاريع الاجتماعية وتحقيق تأثير طويل الأمد على المجتمع المحلي.
في مجال التثمين، تعمل المؤسسة على إبراز إنجازات وتأثيرات المبادرات الجمعوية والاجتماعية من خلال آليات الاعتراف، تحليل الأثر، ودراسات الحالة، كما توفر فضاءات للتفكير والحوار من أجل تعزيز التعاون بين جميع الفاعلين في المجال، وزيادة الوعي حول أهمية هذه المبادرات في إحداث التغيير الاجتماعي.
كما تقوم المؤسسة بالنشر والتعميم للمعارف ونماذج التدخل الناجحة، عبر منصات رقمية وإصدارات موضوعاتية ووسائط إعلامية متنوعة، ما يهدف إلى تعزيز التكامل والتآزر داخل المنظومة الاجتماعية، مما يساهم في نشر الممارسات الجيدة وتعزيز دور الجمعيات في تطوير المجتمع.
المجلس الأعلى للحسابات يرصد اختلالات في “CDG”
في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2018”، رصد “اختلالات” في تدبير صندوق الإيداع والتدبير، مضيفا أن الصندوق ظل مفتقرا لمجلس إدارة يحظى بكامل الاختصاصات ويعمل كهيئة فعلية تمتلك سلطات اتخاذ القرار والتدبير والمراقبة على مختلف المرافق التابعة له، مضيفا أن حكامته لم تشهد أي تطور يذكر رغم التحولات العميقة التي شهدها واتساع نطاق أنشطته ليشمل قطاعات تنافسية جديدة، وتزايد عدد شركاته الفرعية ومساهماته المالية.
وسجل تقرير المجلس افتقار إحداث الصندوق للشركات الفرعية إلى الضبط والتأطير اللازمين، موضحا أن التطور المتسارع للاستثمارات أدى إلى ارتفاع عدد الشركات الفرعية والمساهمات، وذلك بالانتقال من 80 فرعا ومساهمة سنة 2007 إلى 143 فرعا ومساهمة سنة 2017، قائلا “غير أن سياسة تنويع الأنشطة التي انتهجها الصندوق وما واكبها من خلق للشركات الفرعية كانت تفتقر إلى الضبط والتأطير اللازمين.
ولاحظ التقرير أن تموضع الصندوق في أنشطة “البنك والمالية والتأمين” لا يرتكز غالبا على رؤية إستراتيجية، مضيفا أنه يتبين في الواقع أن الصندوق مارس العديد من الأنشطة، إما بسبب دوره التاريخي في القطاع المالي من خلال مختلف مراحل التطور التي مر بها المغرب، أو بسبب مساهمته في إعادة تنشيط هيكلة بعض المؤسسات من خلال مشاركته كمساهم مرجعي، ممثلا بالقرض العقاري والسياحي، وصوفاك، وفينيا، وماروك ليزينك، والصندوق الوطني للإنماء الاقتصادي.
وأكد التقرير أن استثمارات الصندوق تعاني في مجال المساهمات المالية المباشرة من عدة نقائص،أهمها غياب قواعد رسمية تؤطر تدبير محفظة “المساهمات المالية المباشرة”، وتفاقم وضع بعض المساهمات المالية، وعدم الخضوع لأذن مسبق بخصوص كل المساهمات في رأسمال شركات وإحداث أخرى فرعية، علاوة على تركيز المجهود الاستثماري على عدد محدود من الشركات الفرعية والمساهمات المالية، وتراجع مردودية المحفظة.
ورأى التقرير أن المساهمات المالية لصندوق الإيداع والتدبير على المستوى الدولي تعاني من بعض النقائص، أهمها غياب رؤية إستراتيجية، ووضع مالي مثقل بتكاليف الفوائد المرتفعة، بالإضافة إلى وضعية صافية متدهورة نتيجة تراكم الخسائر تعرض كبير للمخاطر، وأرباح ضعيفة وغير منتظمة، وتراجع مستمر في قيم المساهمات المالية على المستوى الدولي، وتفويت بعض المساهمات مع تسجيل خسائر.
المصدر:
العمق