في ظل تزايد الطلب العالمي على المعادن الحيوية التي تقود الثورة الصناعية الحديثة والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، تتبوأ مجموعة “مناجم” موقعا متقدما ضمن اللاعبين الكبار في قطاع التعدين، ليس فقط داخل المغرب، بل على مستوى القارة الإفريقية والعالم.
وتأسست مجموعة “مناجم” عام 1930 في المغرب، وهي شركة مساهمة عامة مدرجة في بورصة الدار البيضاء منذ 11 يوليوز 2000، حيث تعمل في استخراج وإنتاج وتسويق المعادن الأساسية والنفيسة، بما يشمل الذهب، الفضة، النحاس والكوبالت، إلى جانب معادن أخرى.
التومي .. خبرة طويلة
يقود المجموعة منذ فبراير 2016 الرئيس المدير العام عماد التومي، خريج المدرسة المتعددة التقنيات (Polytechnique) الفرنسية وصاحب الخبرة الطويلة في القطاع المنجمي الدولي، بعد مسيرة مهنية بدأت في هيئة الطاقة الذرية الفرنسية ثم شركة “أريفا” العالمية.
التومي الذي عين خلفا لعبد العزيز عبارو، يقود مجموعة “مناجم” في مرحلة توسع ديناميكي، مستفيدة من دعم المساهم الرئيسي “المدى” (Al Mada – Positive Impact)؛ وهو صندوق استثماري إفريقي بتمويلات خاصة، ينشط في قطاعات متنوعة من التمويل إلى الطاقة والعقارات والتعدين.
مناجم تبيض مليارات
تنشط شركة “مناجم” في استخراج باقة متنوعة من المعادن، من بينها الكوبالت والنحاس والذهب والفضة والزنك والرصاص، مما جعلها ركيزة أساسية في المنظومة الصناعية والاستخراجية الوطنية.
وداخل المغرب، تدير المجموعة عدة مواقع استراتيجية موزعة على مناطق مختلفة من المملكة، من أبرزها منجم “بوازار” قرب ورزازات المتخصص في إنتاج الكوبالت، والذي تديره بالمناولة شركة “طوب فوراج” التي يوجه لها عمال المنجم اتهامات بانتهاك حقوقهم المهنية.
كما تدير المجموعة منجم “إميضر” قرب تنغير، وهو أحد أكبر مناجم الفضة في إفريقيا، والذي يرتبط اسمه أيضاً بأطول اعتصام في تاريخ المغرب بـ “جبل ألبان”؛ ويُعد هذا المنجم فريداً عالمياً لأن الفضة فيه تمثل المعدن الرئيسي وليست منتجاً ثانوياً، حيث ينتج أنودات فضية عالية النقاء بنسبة 98.5%. إضافة إلى ذلك، تشرف المجموعة على منجمي “درع الصفار” و”الحجار” قرب مراكش، المتخصصين في إنتاج الزنك والرصاص.
وتستغل المجموعة أيضاً مشاريع نحاسية كبرى، مثل منجم “بوسكور” بورزازات الذي تقدر احتياطياته بأكثر من 9 ملايين طن بمتوسط محتوى نحاسي يبلغ 1.61%، إضافة إلى مشروع “تيزرت” بتارودانت، وهو عبارة عن رواسب نحاسية ذات إمكانات عالية بموارد تقدر بنحو 611 ألف طن من المعدن الخام.
علاوة على ذلك، يبرز منجم “أومجران” كموقع هام للنحاس بإقليم تنغير، والذي بدأ تشغيله عام 2014 باحتياطيات تناهز مليوني طن، غير أن المجموعة باعته لشركة “Purple Hedge” الإماراتية أوائل عام 2025 مقابل نحو 30 مليون دولار. كما سبق للمجموعة تشغيل منجم “البليدة” للنحاس بين عامي 1980 و1997 الذي يقع بأفقر جماعة بالمغرب وهي “جماعة البليدة” بإقليم زاكورة.
تشغل المجموعة أيضاً منجم “أقا” بإقليم طاطا، والذي شهد تحولاً هيكلياً من إنتاج الذهب إلى النحاس؛ فبعد نضوب احتياطات الذهب، كثفت الشركة نشاطها منذ 2008 نحو التنقيب عن النحاس والمعادن الأخرى في المنطقة التي تُعد ركيزة تعدينية هامة في سلسلة الأطلس الصغير.
على الصعيد الدولي، وسّعت “مناجم” حضورها الإفريقي، حيث تطوّر مشاريع في السنغال عبر منجم “بوتو” للذهب، وغينيا من خلال مشروع “تري-ك”، إضافة إلى أنشطة في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ما يعكس استراتيجية تنويع الموارد وتعزيز التموقع الإقليمي.
أرباح بالملايير
وفي الجانب المالي، حققت “مناجم” عام 2024 رقماً أعمالاً موحداً بلغ 8.86 مليار درهم (حوالي 880 مليون دولار)، بارتفاع قدره 18% مقارنة بالسنة السابقة، مدفوعاً بارتفاع أسعار الذهب والفضة والنحاس، مع مساهمة قوية لمشاريع “Pumpi” وعمليات السودان.
كما بلغ صافي الربح العائد للمجموعة نحو 620 مليون درهم، بزيادة 21% عن العام الماضي، رغم تراجع أسعار الكوبالت عالمياً. وفي النصف الأول من 2025، سجلت المجموعة إيرادات مستقرة بلغت 4.42 مليار درهم، واستثمرت نحو 2.885 مليار درهم، وجهت 80% منها لتطوير مشروعي “تيزرت” و”Boto”. وبنهاية سبتمبر 2025، وصل رقم المعاملات إلى 7.42 مليار درهم بزيادة سنوية قدرها 14%.
من الحفر إلى التسويق
تعتمد “مناجم” نموذج عمل متكاملاً يغطي كامل سلسلة القيمة من الاستكشاف إلى التسويق، عبر وحدات متخصصة مثل “Techsub” للحفر و”Reminex Ingénierie” للخدمات الهندسية. وتسوق الشركة نحو 14 منتجاً معدنياً بالتعاون مع أكثر من 30 عميلاً في خمس قارات، مع حضور تسويقي في المغرب والإمارات وسويسرا.
كما تضع الاستثمار في العنصر البشري والابتكار في قلب رؤيتها عبر “Managem Academy”، التي توفر أكثر من 90 ألف ساعة تدريب سنوية لتطوير المهارات وتوطين التميز المهني.
صمود استراتيجي
من خلال تاريخ يمتد لأكثر من تسعة عقود، تؤكد مجموعة “مناجم” قدرتها على التكيف وتعزيز مكانتها في قطاع التعدين العالمي، متحكمة في محفظة منجمية متنوعة، ومواصلة ضخ استثمارات ضخمة لتعزيز النمو رغم تقلبات الأسعار.
ومع استمرار الطلب العالمي على المعادن الاستراتيجية، تظل “مناجم” في موقع مثالي للمساهمة في بناء اقتصادات قوية قادرة على تلبية احتياجات المستقبل.
المصدر:
العمق