أجرى وزير الشؤون الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، محادثات رسمية مع نظيره البرتغالي، باولو رانجيل، الذي حل بالجزائر في زيارة رسمية، شملت لقاء ثنائيا مغلقا أعقبه اجتماع موسع ضم وفدي البلدين، وذلك في سياق استعراض علاقات التعاون الثنائية وآفاق تطويرها على ضوء إحياء الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والبرتغال.
ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية الجزائرية فقد تناولت المباحثات مختلف أوجه التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، إلى جانب التحضير لعقد الاجتماع السادس للجنة العليا الجزائرية-البرتغالية رفيعة المستوى. كما شكل اللقاء مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها تطورات القضية الفلسطينية، والوضع في منطقة الساحل، وقضية الصحراء، وآفاق الشراكة الأورو-متوسطية.
غير أن إدراج ملف الصحراء المغربية ضمن جدول المحادثات، دون الإعلان عن أي موقف برتغالي جديد، دفع مراقبين إلى قراءة هذا اللقاء في سياق محاولة دبلوماسية جزائرية مباشرة لاستمالة لشبونة وحثّها على مراجعة موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، خاصة في ظل الزخم الأوروبي الأخير المؤيد للمقترح المغربي عقب انعقاد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية.
ويأتي هذا التحرك الجزائري في وقت يشهد الموقف الأوروبي تقاربا متقدما مع الطرح المغربي، ما تعتبره الجزائر تحديا دبلوماسيا مباشرا، يدفعها إلى تكثيف تحركاتها تجاه عدد من العواصم الأوروبية في مسعى إلى التشويش على هذا التوافق، وإعادة إحياء الأطروحة الانفصالية داخل الفضاء الأوروبي.
وفي هذا السياق تبرز البرتغال كإحدى الدول التي سبق أن حسمت موقفها بشكل صريح، إذ أعلنت في يوليوز 2025، خلال زيارة وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى لشبونة، دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء، في إطار الأمم المتحدة.
وأكد البيان المشترك الصادر حينها إدراك البرتغال الأهمية الخاصة التي تحظى بها قضية الصحراء لدى المملكة المغربية، مشددة على دعمها الجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب، وعلى التزامها بقرار مجلس الأمن رقم 2756 الصادر في أكتوبر قبل الماضي، ما يجعل من التحرك الجزائري الأخير محاولة لإعادة فتح ملف دبلوماسي سبق أن حُسم موقف لشبونة منه بشكل واضح.
في هذا الصدد يرى الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام ومهتم بنزاع الصحراء المغربية، أن الجزائر رغم تأكيدها المتكرر أنها ليست طرفا في هذا النزاع المفتعل عادت من جديد إلى إقحام نفسها فيه من خلال استقبالها وزير الخارجية البرتغالي، علما أن البرتغال تُعد شريكا إستراتيجيا أساسيا للمملكة المغربية داخل الفضاء الأورو-متوسطي.
وأوضح بوسعيد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية، الذي أكد أن قضية الصحراء كانت ضمن جدول مباحثات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف ونظيره البرتغالي باولو رانجيل، يثير تساؤلات مشروعة حول حقيقة الموقف الجزائري الذي يدّعي في كل مناسبة عدم تحمله أي صفة أو مسؤولية في هذا النزاع.
وذكر المحلل السياسي ذاته أن هذا السلوك الدبلوماسي يعكس محاولة واضحة للتشويش على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى باعتراف واسع باعتبارها الحل الواقعي والجدي للنزاع، كما أكدت ذلك قوى دولية كبرى، ولا سيما داخل الاتحاد الأوروبي، مضيفا أن “الجزائر تسعى أيضا إلى التأثير على الاتفاق المغربي-الأوروبي الأخير، الذي شمل منتجات الأقاليم الجنوبية للمملكة”.
وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن اختيار البرتغال ليس اعتباطيا، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الإستراتيجية العميقة التي تربطها بالمغرب، سواء على المستويات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية والثقافية، فضلا عن الشراكة المتقدمة بين البلدين، التي تجسدت بشكل لافت في التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا، في إطار يقوم على الثقة والانسجام المتبادلين.
واسترسل المصرح ذاته بأن إقحام الجزائر قضية الصحراء المغربية في محادثات ثنائية مع حلفاء وشركاء المغرب الأوروبيين ينم عن محاولة بائسة للتأثير في مواقف دول باتت تدرك جيدا خلفيات هذا النزاع المفتعل، كما أصبحت واعية بالدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في استمراره وإطالة أمده.
وأكمل الشيخ بوسعيد حديثه لهسبريس بالإشارة إلى أن هذه التحركات لم تنجح في تغيير مواقف الدول ذات التأثير الوازن، مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، التي تنسجم في مجملها مع القرار الأممي الأخير لمجلس الأمن، مقابل الدينامية المتصاعدة التي تقودها الدبلوماسية المغربية دفاعا عن وحدتها الترابية؛ وهو ما يفسر تنامي الاقتناع الأوروبي بعدالة الموقف المغربي وجدية مبادرته.
بدوره سجل سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، أن النظام العسكري الجزائري ما فتئ يستغل مختلف المناسبات الدبلوماسية للترويج لموقفه العدائي تجاه عدالة الموقف المغربي من سيادته على صحرائه، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، حالة من الارتباك السياسي والدبلوماسي التي يعيشها، خاصة عقب صدور القرار الأممي رقم 2797.
ولفت بوشاكوك إلى أن “موقف البرتغال، التي تجمعها علاقة إستراتيجية ومتينة مع المملكة المغربية، يظل ثابتا وقويا ولا يخضع لمنطق المزايدات أو الضغوط الظرفية”، مذكّرا بالبيان المشترك الصادر في يوليوز 2025 عقب اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين، الذي أكدت فيه لشبونة دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية لتسوية هذا النزاع المفتعل.
وأوضح المتحدث ذاته ضمن تصريح لهسبريس أن توقيت زيارة وزير الخارجية البرتغالي إلى الجزائر لا يمكن فصله عن السياق الأوروبي العام، خصوصا بعد انعقاد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية، وما أعقبه من مواقف داعمة للمقترح المغربي، وهو ما يكشف، في نظره، “عمق العزلة التي بات يعانيها النظام الجزائري داخل محيطه الإقليمي والدولي”.
وعن رهانات التحرك الجزائري في هذا الاتجاه أكد الباحث نفسه أن هذه المحاولات تبقى محدودة الأثر، بالنظر إلى وضوح المواقف الدولية الكبرى، التي باتت ترى في مبادرة الحكم الذاتي الإطار الوحيد والواقعي للتفاوض، تحت السيادة المغربية، انسجاما مع المرجعيات الأممية.
وخلص سعيد بوشاكوك إلى أن نجاعة الدبلوماسية المغربية، المدعومة بالقرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر الماضي، وبالموقف الأمريكي الداعم بشكل صريح لهذا التوجه، تواصل حصد المزيد من التأييد الدولي، مقابل فشل متواصل للنظام الجزائري في تغيير موازين هذا الملف أو التأثير في مساره الأممي.
المصدر:
هسبريس